الثلاثاء، 21 يونيو، 2011

قضية نيني.. والحكم بـ«الإعدام»

وأنا أنتظر الحكم الذي سيصدر في قضية الصحفي رشيد نيني، كنت أنتظر أن تفاجئني المحكمة مفاجأة سارة.
تصوروا أنني كنت أنتظر أن تقضي المحكمة ببطلان متابعة رشيد نيني بمقتضيات القانون الجنائي، وبالتالي بإخلاء سبيله.
نعم، انتظرت أن يعلن الحكم الصادر في القضية عن ملامح عهد جديد، أن يشكل إعلانا عن انطلاق مسيرة إصلاح القضاء.. خطوة عملية في اتجاه تجسيد ما سمعناه ونسمعه في هذا الإطار.. خطوة في اتجاه تجسيد استقلال القضاء.. في اتجاه تحوله إلى سلطة حقيقية، لا تخضع علانية ولا ضمنا لأية سلطة أخرى، وتضع نصب أعينها حماية سيادة القانون.. حماية الحقوق والحريات.. حماية الطمأنينة لدى المواطن وتوفير شروط المحاكمة العادلة.
كنت أنتظر أن تعلن المحكمة للصحفيين أنهم في مأمن من أي تجاوز في حقهم.. أن تقول لهم: اطمئنوا، فلكم قانون يحميكم ويضمن ممارستكم الصحفية، ويحدد المخالفات والجنح التي يمكن أن ترتكبوها في إطارها وما قد تتعرضون له من عقوبات، والمساطر التي يجب اتباعها.. تصورت أن المحكمة ستقول لمن طبخوا ملف رشيد نيني.. إن القضاء لا يمكن أن يجاريكم ويحكم بإعدام قانون الصحافة.. لا يمكن أن يجاريكم في الالتفاف على هذا القانون بتسليط سيف القانون الجنائي على رقاب الصحفيين بالنسبة إلى ممارستهم الصحفية.. لا يمكن أن يجاريكم في محاكمة الصحفي في حالة اعتقال فيما لا يسمح به قانون الصحافة.. أو في متابعته دون أن تقدم ضده شكاية ممن يعنيهم الأمر، فيما يلزم فيه قانون الصحافة بتقديم الشكاية كشرط للمتابعة.. بل لا يمكن أن يجاريكم في أن تسيئوا إلى الناس وتفرضوا عليهم أن تصبح أسماؤهم متداولة في ردهات المحاكم ووسائل الإعلام، كما لو كانوا قد اشتكوا الصحفي، وهم الذين لم يقوموا بذلك، ولربما يعتبرون أنفسهم شأنا عاما معرضين للانتقاد والمساءلة، وبالتالي لا يجدون في ما كتب عنهم ما يستحق تقديم شكوى ضد الصحافة والصحفيين.
انتظرت أن تقول المحكمة: لأن قانون الصحافة قانون خاص، فإنه هو واجب التطبيق حتى لو نص القانون الجنائي، أو أي قانون آخر، على تجريم ومعاقبة ذات الأفعال.. وأن تقول إنها ليست في حاجة إلى التعليل بمقتضيات الفصل الأخير من قانون الصحافة (الفصل 80) الذي ينص على أنه «تلغى في مجموع أنحاء مملكتنا جميع المقتضيات التشريعية أو النظامية المتعلقة بنفس الموضوع، لأن هذا الفصل يشكل تحصيل حاصل، ما دام القانون الخاص يقدم حتما على القانون العام.. بل وأن تقول إنها ليست في حاجة أيضا إلى اعتماد القاعدة التي تلزم المحكمة بأن تحكم بالقانون الأصلح للمتهم عندما يكون هناك قانونان ينظمان نفس الجرم.
 كنت أنتظر من المحكمة أن تقول إنها أخذت علما بأن معتقل تمارة العلني والمعلوم لازال موجودا أو أنه، على الأقل، لو لم تكن المتابعة باطلة لأمرت بالوقوف على عين المكان ولأجرت كل التحريات، وأن تلمح إلى أنها كانت ستحكم بالبراءة حتى لو لم تكن المتابعة باطلة، لأن رشيد نيني لم يقم إلا بالدور المنوط بالصحفي الحقيقي الذي لا يمكن أن يكون كذلك إذا كان يخاف في الله لومة لائم، وإذا لم تكن هناك جرأة للسلطة الرابعة في الكشف عن المستور الذي لا زال البعض يريده أن يبقى مستورا.
 انتظرت من المحكمة أن تعلن للذين طبخوا الملف قبل غيرهم أن القضاء ركب قطار التغيير الذي انطلق ولم يعد في إمكان أي أحد أن يوقفه.. نعم إنه ركب قطار التغيير الذي يجب أن تكون له محطة أساسية هي محطة إصلاح القضاء.. محطة أعلن عن وضع حجرها الأساس، وننتظر وينتظر أبناء الوطن، وفي مقدمتهم شباب 20 فبراير.. أن يروا بنايتها الشاهقة والمطلقة على كل البنايات الأخرى.. وأن لا مبنى يعلو عليها..

 ألم يقولوا إن ورش إصلاح القضاء قد انطلق، وأن لا تغيير بدون قضاء مستقل نزيه وفاعل؟ وهي الصفات التي انعدمت في جزء كبير من قضائنا، والتي جعلت موضوع القضاء يكون مطروحا بحدة وبشكل دائم.
وإذا كان ما قالوه صحيحا، فقد أعطيت الفرصة للقضاء ليثبت انطلاق الورش فعليا، وليؤكد جدية الحديث عن إصلاح القضاء، ومن ثم جدية شعارات التغيير التي نعيش على إيقاعها منذ 20 فبراير. 
ألا يكفي ذلك لكي أنتظر...
 وأنا غائص في انتظاراتي من الحكم في قضية رشيد نيني.. انقطع حبل الانتظارات عندما رن الهاتف المحمول:
 ـ آلو خالد.. الحكم بالإدانة، وبسنة حبسا نافذا...
 وتساقطت أوراق الانتظارات من حولي.. لكن من نقل إلي الخبر ظل ينتظر على الجانب الآخر.. لقد كان ينتظر رد فعلي، وعندما انتبهت إلى ذلك قلت له:  ـ إذن، فقد حكموا بإعدام قانون الصحافة.. لقد وصلت الرسالة.. رسالة من يجلدون الناس في شوارع مختلف المدن والقرى المغربية.. رسالة من لا يتورعون عن الاعتداء على الأطباء والأساتذة والمعطلين والمكفوفين وشباب 20 فبراير.. رسالة أولئك الذين ترتعد فرائصهم من سماع كلمة التغيير...


خالد السفياني  (منسق هيئة دفاع «المساء»)
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق