الاثنين، 13 يونيو، 2011

حبس رشيد نيني.. الخوف من الحقيقة يقود دائما إلى الظلم

«إن أقسى أنواع الاضطهاد هو ذلك الذي يُمارَس في ظل القانون ويُلوَّن بألوان العدالة»
الفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو
الحكم الذي أصدرته المحكمة الابتدائية في الدار البيضاء في حق الصحافي رشيد نيني، والقاضي بحبسه النافذ لمدة سنة، يبين بجلاء أن المغرب لم يتخلص بعد من مجانينه القدامى. ففي وقت كنا نعبأ فيه بالنضال من أجل إقرار إصلاحات دستورية، وتستعد فيه البلاد لطي صفحة الحكم المطلق والخضوع، تم سوقنا من جديد إلى أزمنة مظلمة وممارسات حقبة سنوات الجمر والرصاص. إنه لواقع محزن هذا الذي ينتزع منا الحلم، ويُبْدِلـُه كابوسا مزعجا.
ما مضمون الرسالة التي يريدون إيصالها إلى المغاربة من خلال هذا الحكم الجائر الصادر في حق رشيد نيني، مدير أكبر جريدة في المغرب؟

 لقد بات بديهيا أن قوات الرجعية الحريصة على الجمود لم تجرَّّد من أسلحتها، إذ لا تزال تأمل فرملة عجلة التاريخ عن طريق خنق الطرق المؤدية نحو الحرية ومحاولة التحكم في الرجال الذين يرفضون الخنوع لها.
تعتقد هذه القوى، خطأ، أن بإمكانها من خلال الحكم بالحبس على صحافي، معروف باستقلاليته وجرأته وجودة أخباره وتحليلاته، أن تردع الرجال الأحرار في هذا البلد عن ممارسة حرياتهم. ثمة، إذن، داع إلى أن نضع أيدينا على قلوبنا خوفا على مستقبل الديمقراطية في مجتمعنا، إذ كيف يمكننا أن ندعي بناء صرح مجتمع ديمقراطي في وقت تكمم فيه أفواه الصحافيين الذين يساهمون في إعطاء دلالات ومعانيَ لهذا الوطن؟
لقد أبدى الرأي العام معارضته الشديدة لمحاولة إخراس صوت صحافي بات يجسد بنفسه نموذجا لاستقلالية الفكر والأحلام، غير أن المحكمة تغاضت عن هذا السخط الشعبي وحكمت، ظلما وعدوانا، بالحبس على صحافي «جريمته» الوحيدة هي تزويد قرائه، ومن خلالهم الرأي العام المغربي، بمعلومات ومعطيات عن الرشوة، استغلال النفوذ، الشطط في استعمال السلطة، تجاوزات القانون، سوء التدبير، اختلاس أموال عمومية، الزبونية والمحسوبية.. أي احتقار هذا لكل أولئك الذين آمنوا ولا يزالون يؤمنون بأن المغرب على أبواب عهد جديد، ذلك أن «كل شكل من أشكال الاحتقار، إذا تدخل في السياسة، يمهد للفاشية أو يقيمها»، على حد قول الفيلسوف ألبير كامو.
في كل الأحوال، فإن ما يستدعيه هذا الحكم الجائر ضد رشيد نيني هو الخوف.. خوف على مصير وقدر صحافة مستقلة وخوف على بناء صرح مجتمع ديمقراطي.
 يا له من ضرر ألحق ببلادنا، ويا له من سوء طالع طال حرياتنا.
كنا نتمنى، أثناء انعقاد جلسات محاكمة السيد رشيد نيني أن تنتصر العدالة، في نهاية المطاف، على العجرفة والتعسف. لقد خاب أملنا، لكن لن تفتر عزيمتنا ولن تثبط شجاعتنا.
يذكرنا هذا الحدث، بكل تأكيد، بأن الطريق نحو الحرية والديمقراطية ليست مفروشة بالورود وإنما مليئة بالحواجز والمعيقات، وبأن أولئك الذين ألحقوا أضرارا بشعبنا ويتعبؤون لقطع طريقه نحو الكرامة ونحو الحرية ونحو احترام إنسانية الإنسان، لم يضعوا بعد أسلحتهم.
إنهم يواصلون نشاطهم من خلال جرجرة خيرة شباب هذه الأمة وأكثرهم شجاعة إلى المحاكم، وحرمانهم من الكلمة وسلبهم الحرية.
باختصار، «لا تزال القوانين في المغرب، مثلما قال أحد الفلاسفة، بيوت عنكبوت، يمر منها كبير الذباب ويعلق فيها صغيرها». إنه لحادث محزن حقا.


بقلم - إدريس بنعلي (محلل اقتصادي وسياسي)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق