الجمعة، 18 فبراير، 2011

وسخ الدنيا


إلى حدود اليوم، سلط المراقبون الأضواء، بخصوص الثورة الشعبية التونسية، على تصريحات المعارضين والثوار والذين يطالبون بحراسة الثورة من لصوصها، كما سلطوا الأضواء على ردة الكثير من معاوني النظام السابق وأزلامه والذين أرادوا رتق بكارتهم السياسية بإعلانهم الندم والتوبة والبراءة من النظام السابق.
لكن المثير في الأمر أنه لا أحد انتبه إلى موقف الأثرياء العرب من هذه الثورة. وما شد انتباهي شخصيا هو أنه في كل مرة يقوم عربي مسلم بعمل بطولي أو يستشهد دفاعا عن مواقفه وأفكاره، يسارع أثرياء في الخليج العربي إلى المطالبة باقتناء الأداة التي كانت وسيلتهم لبلوغ الشهادة أو المجد.
فهؤلاء الأثرياء لا قدرة ولا رغبة لهم في الثورة أو القيام بعمل بطولي يدخلهم إلى التاريخ، فهم، بحكم ثروتهم الفاحشة، يعتقدون أنهم قادرون على شراء كل شيء، بما في ذلك المجد، ولذلك ينتظرون أن يقوم أحد أفراد الشعب بما يستوجب الاحترام والتبجيل، ثم يفتحون المزاد العلني على أدوات الثورة.
وكم كان موقف عائلة البوعزيزي الفقيرة مشرفا عندما رفضت العرض التي تقدم به رجال أعمال عرب، بينهم السعودي والكويتي واليمني، عرضوا جمعيهم على العائلة اقتناء عربة ابنهم التي صدمت الجنرال بنعلي وأسقطته من فوق كرسيه الذي لصق فوقه 23 سنة كاملة.
وهكذا عوض أن يقود هؤلاء البورجوازيون الثورة داخل بلدانهم لإسقاط أنظمتهم الدكتاتورية والمتسلطة، يفضلون اقتناء «أدوات الثورة» التي تحدث في بلدان الآخرين لوضعها جنب التحف النادرة في قصورهم.
إنها بورجوازية متعفنة بالفعل.
وهي نفسها البورجوازية المتعفنة التي فتحت المزاد حول حذاء منتظر الزايدي الذي كاد يصيب جورج بوش خلال الندوة الصحافية المشهودة، فقد أعطى من أجل اقتناء «الحذاء الطائر» مواطنٌ سعودي ينتمي إلى قبيلة عسير، عرضا بعشرة ملايين دولار أمريكي.
وهي نفسها البورجوازية المتعفنة التي أعطت عرضا سخيا من أجل اقتناء الحبل الذي تم به شنق الرئيس العراقي صدام حسين، وهو الحبل الذي يحتفظ به الزعيم الشيعي مقتدى الصدر.
نزوات الأثرياء غريبة وعجيبة. وإذا كان من شريحة غائبة عن شوارع تونس خلال هذه الثورة الشعبية الكاسحة التي تموج في شوارع المدن التونسية، فهي بالضبط هؤلاء الأثرياء.
فهم ينتظرون أن تهدأ العاصفة لكي يعودوا إلى بنوكهم ومؤسساتهم المالية وشركاتهم، ويبدؤوا في إعادة بناء ما تآكل من إمبراطورياتهم المالية التي لا مكان لعواطف الثورة داخلها.
انشغالات الأثرياء ليست بالضرورة هي نفسها انشغالات البسطاء من عامة الشعب وطبقاته الوسطى.
وأحيانا تبدو انشغالات الأثرياء صادمة عندما تنحدر إلى مستويات من الجشع غير مسبوقة، كاشفة عن وجه بشع يجسد الفقر الحقيقي الذي يعاني منه هؤلاء، أي فقر الروح.
وهو الفقر الذي يفضح انفصال أصحابه عن المجتمع الذي يعيشون فيه وعيشهم داخل ما يشبه فقاعة لا علاقة لها بالواقع اليومي لعامة الشعب.
في المغرب، لدينا أمثلة صادمة على هذا الفقر الروحي المدقع الذي وصل إليه بعض كبار الأثرياء، بحيث أصبحوا قادرين على ارتكاب حماقات مثيرة للتقزز فقط من أجل تلبية جوعهم ونهمهم الكبير لجمع المزيد من الأموال، في الوقت الذي يرون فيه كيف تزداد مساحة الفقر اتساعا سنة بعد أخرى.
أحد هذه الأمثلة الساطعة على الفقر الروحي المدقع أعطاها الملياردير عثمان بنجلون، الذي يملك ثروة لا يستطيع هو نفسه أن يعدها.
فقد استطاع أن يستصدر أمرا قضائيا بمنع ابن أخيه بالتبني من مغادرة التراب الوطني في القضية التي رفعها ضده من أجل إلغاء حقه في الإرث من والده عمر بنجلون، أخ عثمان بنجلون.
وليس هذا فحسب، فقد أجبرت النيابة العامة منير بنجلون على الذهاب إلى مختبر «باستور» من أجل الخضوع لتحليلات ADN لإثبات النسب أو نفيه.
المشكلة أن مقارنة ADN الابن بتحاليل ADN الأب تستوجب إخراج الراحل عمر بنجلون، أخ عثمان بنجلون، من قبره من أجل استخراج عينة من ADN رفاته.
ويبدو أن الملياردير عثمان بنجلون ليس لديه أي مشكل في نبش قبر أخيه وإخراجه من جديد لإجراء التحاليل عليه. فمن أجل الحصول على ثروة أخيه يستطيع هذا الرجل، الذي يعطي نفسه اسم «الجنتلمان»، فعل أي شيء.
ما هي القصة بالضبط؟
القصة بدأت عندما مات الحاج عباس بنجلون وترك ابنين وبنتين. حصل الابن عثمان بنجلون على 40 في المائة من الإرث، وحصل عمر بنجلون على 40 في المائة، فيما حصلت البنتان على 10 في المائة لكل واحدة منهما.
وبما أن عمر بنجلون لم يكن له أبناء فقد تبنى طفلا اسمه منير وسجله في الحالة المدنية وأعطاه اسمه. وعندما توفي عمر بنجلون كان أول من أخذ منير في حضنه أمام المعزين الذين تحلقوا حول قبر والده عمر، هو «عمه» عثمان بنجلون الذي بللت دموعه الساخنة جلابة الابن.
خلال تشييع جنازة عمر بنجلون اعتقد الجميع أن أخاه عثمان سيكون بمثابة الأب بالنسبة إلى منير. لكن الجميع شعر بالصدمة عندما كلف عثمان بنجلون محاميه في اليوم الموالي لدفن أخيه برفع دعوى في المحكمة للطعن في نسبة الابن إلى أخيه وعدم أحقيته في الإرث، مشككا في صحة الوثيقة التي سجل بها أخوه ابنه بالتبني في دفتر الحالة المدنية.
هكذا ستؤول ثروة عمر بنجلون منطقيا إلى أخيه عثمان بنجلون إذا استطاع إصدار حكم بعدم شرعية أبوة أخيه لمنير بنجلون. وهكذا اتضح للجميع أن دموع عثمان بنجلون التي بللت جلابية ابن أخيه في المقبرة لم تكن سوى دموع تماسيح.
المشكلة الآن هي أن إخراج رفات عمر بنجلون من قبره لإجراء التحاليل عليه يتطلب إذنا من الورثة. وبما أن الوريث الوحيد لعمر بنجلون هو منير بنجلون، فمن المنطقي أنه سيرفض إعطاء الإذن باستخراج والده من قبره.
فهل سينجح الملياردير عثمان بنجلون في إخراج رفات أخيه بقرار قضائي استثنائي؟
كل المؤشرات تفيد بأنه يستطيع القيام بذلك. لكن السؤال الذي يطرحه الجميع في صالونات الرباط والدار البيضاء المخملية، هو ماذا يريد عثمان بنجلون، الذي يضع رجلا في الدنيا ورجلا في القبر، بحكم أنه يبلغ من العمر ثلاثا وثمانين سنة، أن يصنع بثروة أخيه؟
ألا تكفيه ثروته الكبيرة لكي يعيش الفترة المتبقية له والتي تفصله عن اللحاق بأخيه في المقبرة العائلية.
واضح أن حسابات بعض الأثرياء ليست هي حسابات البسطاء من الناس، فهؤلاء «الفقراء» الذين يعانون من آفة جمع المال من المهد إلى اللحد يصبحون عبيدا للدرهم، إلى درجة أن هذا الدرهم يصبح غاية وجودهم ومبرر حياتهم.
وإذا كان عثمان بنجلون يريد إخراج رفات أخيه من قبره للحصول على إرثه، فإن المستشار الاستقلالي يوسف التازي يتهم شركة والده الثري عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، عبد الحق التازي، وهو على قيد الحياة، بالتعامل مع الجماعة الحضرية لعين السبع التي كان يقودها أفيلال في قضية «مشروع الحسن الثاني»، رغم أنه مساهم إلى جانب والده في الشركة نفسها.
كل هذا لكي يفلت الابن يوسف التازي بجلده من المتابعة حتى ولو كلفه الأمر توريط والده المسن عبد الحق التازي في الملف.
من أجل المال، يستطيع بعض الأثرياء التضحية بعلاقة الأبوة والأخوة وكل العلاقات الإنسانية والأسرية، كاشفين عن الوجه الأكثر بشاعة للفقر الروحي المدقع الذي يعانون منه.
إن مثل هذه القصص المثيرة للغثيان تكشف عمق الانفصال الكبير الذي يعيشه جزء كبير من الطبقة الثرية المغربية عن هموم ومشاكل وانشغالات الطبقات البسيطة والوسطى.
فإذا كانت البورجوازية في الدول الديمقراطية هي التي تصنع المعرفة والثقافة وتحمي الأفكار التقدمية والتحررية وتقود الثورات ضد التسلط والاستبداد، فإنها في الدول العربية والإسلامية، ومنها المغرب، تعيش وسط فقاعتها الخاصة، في شبه عزلة تامة عن الشعب، معطية الدليل على أنها بورجوازية هجينة جمع جزء كبير منها ثروته بطرق مشبوهة.
أشباه الملياردير عثمان بنجلون كثيرون في المغرب. وعوض أن يخصصوا جزءا من ثروتهم للمشاريع الخيرية التي تستفيد منها شرائح المجتمع الأكثر فقرا، نرى كيف ينشغل في آخر أيام عمره بالبحث عن استصدار قرار قضائي بنبش قبر أخيه وتحليل بقاياه طمعا في الحصول على إرثه.
«وسخ الدنيا وما يدير».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق