الجمعة، 18 فبراير، 2011

مسامر الميدة


هناك أمثلة كثيرة في المغرب تجسد، عن قرب، ما وقع في تونس عندما نزل الشعب إلى الشارع وهرب الرئيس ثم اكتشف الشعب أن رجال هذا الأخير لا زالوا يمسكون زمام الأمور.
عندنا في المغرب، تعالت أصوات الصحافيين منددة بالسرقات التي تحصل في المكتب الوطني للمطارات، أرسل المجلس الأعلى للحسابات قضاته وأرسلت المفتشية العامة للمالية محاسبيها لكي ينجزوا تقاريرهم. وفي الأخير، اكتشفوا أن ما كانت تندد به الصحافة المستقلة كله صحيح، وأن سرقات بالملايير تمت داخل هذه المؤسسة التابعة لوزارة التجهيز والموضوعة تحت وصاية وزارة المالية.
النتيجة المنطقية كانت هي الإطاحة بمدير المكتب الوطني للمطارات، عبد الحنين بنعلو، وتعويضه بمهندس في الكهرباء اسمه دليل الكندوز. وفي الوقت الذي كان فيه الجميع ينتظر تغييرا جذريا داخل الإدارة يعصف بأعضاء العصابة التي كانت تساند بنعلو وتسهل له سرقاته، اكتشف الجميع أن الجميع حافظ على كرسيه وامتيازاته. والوحيد الذي تخلص منه دليل الكندوز كان هو مدير أكاديمية الطيران المدني الذي ذكر اسمه ضمن السبعة عشر الذين وردت أسماؤهم في لائحة المتابعين، والذي غادر وفي جيبه شيك بقيمة 140 مليونا، ثمن مغادرته الطوعية، وراتب شهري قيمته 20 ألف درهم.
وحتى هذا «التخلص» لم يكن بهدف «تنظيف» الأكاديمية من بقايا العهد السابق، وإنما فقط لكي يمنح المدير الجديد هذا المنصب المالي السمين لصديقه الذي كان يشتغل مساعدا له في المدرسة الحسنية للمهندسين.
هكذا، وبعد كل هذه التقارير ذات الرائحة العطنة التي أزكمت أنوف قضاة المجلس الأعلى للحسابات ومفتشي المالية، وبعد كل هذه القيامة التي أعقبت إسقاط بنعلو من إدارة المكتب الوطني للمطارات، نكتشف أن المدير الجديد لم يستطع إلى اليوم تغيير «مسامر الميدة» الذي تركهم المدير السابق.
وهي رسالة موجهة إلى جميع الأطر النظيفة، التي كانت تنتظر سقوط «نظام» بنعلو الإداري وتعويضه بنظام إداري جديد يضع الشفافية والنزاهة ضمن شروط ومعايير العمل، مفادها أن الفساد يشبه التنين، بمجرد ما تقطع رأسه تظهر له رؤوس أخرى كثيرة.
الجميع يتذكر كيف أن المدير الجديد دليل الكندوز قدم، خلال الاجتماع الذي عقده المجلس الإداري للمكتب الوطني للمطارات في 24 ديسمبر 2010 بمطار محمد الخامس مباشرة بعد نشر تقريري المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للمالية، وبحضور كريم غلاب وزير النقل والتجهيز وممثل وزارة المالية، تصورا إداريا جديدا يقترح إنشاء مديريتين، الأولى اسمها «مديرية الصيانة» والثانية اسمها «مديرية المحاسبة والمراقبة».
واعتقد الجميع أن وعد المدير الجديد بتطبيق هذا التصور الإداري سيبدأ بمجرد تنحية الموظفين السبعة عشر الذين ذكروا في استدعاء الوكيل العام لمجلس الحسابات وتقديمهم للمحاكمة، وإعادة الاعتبار إلى الموظفين والأطر الذين حاربهم بنعلو وبرق الليل بسبب رفضهم التأشير على الصفقات المشبوهة التي استعملاها لنهب المال العام.
المفاجأة الكبيرة كانت هي أن هذه النقطة بالضبط غابت عن جدول أعمال الاجتماع. ولم يخصص لها التقرير الختامي سوى جملة وحيدة أبدى من خلالها المدير تقديره لملاحظات المجلس الأعلى للحسابات ومفتشية المالية. كل هذه الملايير المسروقة من ميزانية المكتب الوطني للمطارات لم تكن في نظر السيد المدير سوى ملاحظات بسيطة تستحق التقدير.
وهكذا مر اجتماع المجلس الإداري دون تقديم أو مناقشة التقسيم الإداري الجديد، رغم أن الكندوز كلف شركة «كابيتال كونسيلتين» بإنجاز تصور حوله بميزانية وصلت إلى 500 مليون سنتيم.
وإلى اليوم، لم يتم تعيين المسؤولين الجدد على هاتين المديريتين، كما لم يتم إنصاف الأطر النظيفة والقديمة التي همشتها وحاربتها الإدارة السابقة والفاسدة.
لنكن واضحين، إن من يحمي عصابة بنعلو وبرق الليل داخل المكتب الوطني للمطارات هو وزير النقل والتجهيز كريم غلاب، بتواطؤ مع وزير المالية صلاح الدين مزوار.
وهؤلاء الذين ذكرت أسماؤهم في استدعاء الوكيل العام للمجلس الأعلى للحسابات، والذين لازالوا يواصلون عملهم داخل المكتب، ليسوا محميين من قبل المدير الجديد وإنما من قبل وزير النقل والتجهيز كريم غلاب الذي أعطى أوامره للمدير الجديد بالاحتفاظ بالسيد عبوش مديرا للهندسة ومسؤولا عن صفقات البناء والبنيات التحتية والتجهيزات والتقنية. كما أمره بالاحتفاظ بالسيد ملين مديرا للمالية والذي لا يوظف معه سوى الأطر التي تقبل بوضع توقيعاتها على وثائق الصفقات بدون اعتراض، علما بأن هذين المديرين يوجدان في اللائحة السوداء التي تنتظر عرض أفرادها السبعة عشر على القضاء.
وعوض أن يهتم السيد غلاب بموضوع هؤلاء المدراء الذين ذكرت أسماؤهم في تقريري المجلس الأعلى للحسابات ومفتشية المالية، فضل الحديث حول المشاريع والصفقات التي سيقوم بها المكتب ما بين 2010 و2012، والتي يصل غلافها المالي إلى 680 مليار سنتيم.
هذا الغلاف المالي الكبير سيتم وضعه بين أيدي جهاز إداري يفتقر إلى الهيكلة التنظيمية L'organigramme، رغم أن مؤسسات عمومية أصغر من المكتب الوطني للمطارات لديها هيكلة تنظيمية واضحة.
ما يظهر، من خلال الوضعية الإدارية الحالية في المكتب الوطني للمطارات، هو أن هناك رغبة من الوزارة الوصية، وبتغطية من وزارة المالية، في اجتياز المدة الفاصلة بين 2010 و2012 بالأشخاص أنفسهم الذين تورطوا مع الإدارة السابقة أيام بنعلو في اجتياز مرحلة 2003 إلى 2007.
ببساطة، لأن هذه المدة المتبقية في عمر صفقات ومشاريع المكتب الوطني للمطارات، والتي يصل غلافها إلى 680 مليار سنتيم، هي نفسها الفترة المتبقية في عمر حقيبتي وزيري التجهيز والمالية في الحكومة العباسية.
ولذلك نرى كيف أن هناك تسابقا محموما لاختراع مشاريع كبيرة جدا بميزانيات خيالية، 90 في المائة منها عبارة عن قروض، تحت مبرر تطوير المطارات، داخل هذا الحيز الزمني الضيق المتبقي من عمر الحكومة.
سيقول البعض إن المكتب الوطني للمطارات لديه مدير عام، واشتغال هذا المدير لا علاقة له ببقاء الحكومة أو ذهابها. وطبعا، هذا استنتاج غير صحيح، لأن المديرين الحقيقيين للمكتب الوطني للمطارات هما وزير التجهيز والنقل الذي يسير ويراقب وينظم ويقترح ويحدد السياسة الاستثمارية المناسبة للمكتب، ووزير المالية الذي يمتلك سلطة إعطاء أو منع ضوئه الأخضر لصفقات المكتب انسجاما مع القوانين التي تنظم مالية المؤسسات العمومية.
عندما وضع دليل الكندوز مديرية «الصيانة» ومديرية «المراقبة والمحاسبة»، وعين على رأسيهما مديرين، انتظر الجميع أن يحدد لهاتين المديريتين أقساما ورؤساء أقسام ومصالح، لكن الذي حدث هو أن المدير لم ير ضرورة لإنشاء أقسام ومصالح لهاتين المديريتين. والأكثر إثارة في الموضوع هو أن المديريتين لا تتوفران سوى على منصبين يحتلهما المديران اللذان يحصلان على راتبين عن مهمة لا توجد سوى فوق الورق.
وهكذا، فبعد مضي سنة على خلق مديريتي «الصيانة» و«المراقبة والمحاسبة»، ليست هناك لا مراقبة ولا محاسبة ولا صيانة، فالمديريتان لا وجود لهما سوى فوق الأوراق لتبرير الميزانيات التي تصرف لهما سنويا على شكل استمارات وصفقات.
وغلاب لديه سوابق كثيرة في «فضائح الصيانة»، آخرها سقوط قنطرة مشرع بلقصيري في سيدي قاسم والذي ذهب ضحيته مواطنون بريئون، بسبب انعدام الصيانة. رغم أن الوزير «الشطيطيح» وعد نواب حزبه أمام البرلمان في ديسمبر 2010 بأن وزارته ستخصص 60 في المائة من ميزانيتها من أجل صيانة الشبكة الطرقية للمملكة، كما وعد بتخصيص 1،20 مليار درهم لترميم 2000 كلم من الطرق وصيانة 80 قنطرة سنويا، إلا أن سقوط قنطرة مشرع بلقصيري ووفاة مواطنين أصدق أنباء من وعود الوزير الشطيطيح، مما يعني أن «الهضرة ما تشري خضرة»، وأن المواطنين ينتظرون الأفعال وليس «الفعايل».
وتماشيا مع شهية وزير النقل المفتوحة للصفقات الكبرى، اجتمع يوم 06.01.2011 في مراكش السيد دليل الكندوز برفقة «مسامر الميدة» الذين تركهم عبد الحنين بنعلو، وممثل كبير عن وزارة التجهيز، من أجل تقديم مشروع بناء المحطة الثالثة في مطار المنارة في مراكش، بغلاف مالي يصل إلى 80 مليار سنتيم، من أجل اختزال مدة تدبير الرحلات من 11 دقيقة إلى 5 دقائق، وحماية البيئة وما إلى ذلك من وعود الشفوي التي يجيد مهندسو الصفقات الخيالية اختراعها.
ما بين سنة 2005 و2008، شهد مطار المنارة أشغال تجديد المحطة الأولى وبناء المحطة الثانية، واليوم يريدون إطلاق أشغال بناء محطة ثالثة لا يتوفر عليها حتى مطار محمد الخامس الدولي في الدار البيضاء.
هذا في الوقت الذي كان فيه أولى بالإدارة الحالية أن تعرض ملفات المتورطين في صفقات صيانة مطار المنارة الذي يتحول إلى مسبح بلدي لا ينقصه سوى «البلونجوار» كلما هطلت الأمطار.
خلاصة القول أن التغيير الحقيقي لن يحدث داخل المكتب الوطني للمطارات ما دامت عصابة بنعلو وبرق الليل تحكم قبضتها على المديريات الحساسة والهامة داخل المكتب.
فأفراد هذه العصابة يجب أن يقدموا أمام القضاء وأن يعيدوا الملايير التي اختلسوها من أموال دافعي الضرائب.
كما يجب على القضاء أن يحاسب الوزيرين اللذين يتحملان مسؤولية الوصاية على هذه المؤسسة، بسبب إغماضهما لعيونهما على ما حدث وما يحدث من فساد ونهب للمال العام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق