الجمعة، 18 فبراير، 2011

الكرسي الكهربائي


من يرى كيف يلتصق حسني مبارك فوق كرسي الرئاسة بهذا الشكل السخيف والمخجل، يصاب حقا بالصدمة وهو يرى كيف يصر عجوز مسن وصل الثمانين من عمره على الاستمرار في الجلوس فوق كرسي الحكم لمزيد من الوقت ضدا على رغبة شعبه والمنتظم الدولي.
تقول النكتة إن مبارك أطل من شرفة قصره الجمهوري فرأى آلاف المصريين يهتفون بالشعارات، فسأل مساعده: ماذا يريد هؤلاء المصريون؟ فقال له مساعده إنهم جاؤوا لكي يودعوه. فتساءل مبارك مستغربا:
- هوما رايحين فين؟
هذه النكتة تلخص الوضع المصري ببساطة شديدة. فالرئيس حسني مبارك لا يتخيل للحظة واحدة أن يقوم عن الكرسي الذي ظل يجلس فوقه أكثر من ثلاثين سنة. وإذا كان يجب على جهة ما أن تغادر فهي الشعب وليس الرئيس الذي أصبح يتصور نفسه أقوى وأشجع وأحسن وأذكى من الجميع.
وهذا الوضع الكاريكاتوري المضحك الذي وصل إليه الرئيس حسني مبارك تلخصه بشكل عميق نكتة مصرية تقول إن «الرئيس سأل وزيره نظيف قائلا:
- خبّرني بصراحة يا نظيف ولا داعي إلى المجاملة أو النفاق.
نظيف: أمرك يا ريس.
الريس: أنا الأفضل ولاّ عبد الناصر؟
نظيف: إنت طبعا يا ريس.. جمال دا كان بيخاف من الروس!
الريس: طيب أنا الأفضل ولا السادات؟
نظيف: سادات مين دا ياريس، دا كان بيخاف من الأمريكان!
الريس: طيب أنا الأفضل ولا عمر بن الخطاب؟
نظيف: إنت طبعا يا ريس.. عمر بن الخطاب دا كان بيخاف من ربنا».
إن المرض العضال الذي تعاني منه الشخصية العربية هو هذا العشق الجنوني، حد المرض، للكرسي. فالرئيس يقضي أكثر من نصف عمره جالسا فوقه، إلى الحد الذي يصبح معه الكرسي امتدادا لجسده وعضوا حيا ضمن أعضائه. هكذا عندما يطالب الشعب الرئيس بالقيام عن كرسيه فكأنما يطالبونه بانتزاع عضو من أعضائه الحية.
هل تعرفون لماذا لا يحب الزعماء العرب تقديم استقالاتهم من مناصبهم عندما تحتج ضدهم شعوبهم وتخرج إلى الشوارع مطالبة برحيلهم؟ السبب قد يكون مثيرا للضحك.
فيبدو أن الزعماء العرب يستطيبون الكراسي الوثيرة التي يجلسون فوقها، ومع مرور السنين تنشأ بينهما علاقة حميمية ويسقط أحدهما في غرام الآخر، فيصبح انفصال أحدهما عن الآخر ضربا من المستحيل.
لذلك، فظاهرة الالتصاق بالكرسي في العالم العربي تستحق من منظمة الصحة العالمية دراسة نفسية معمقة لكي نفهم أخيرا سر هذه المحبة الدائمة التي لا تنقطع بين الزعماء العرب وكراسيهم الوثيرة.
لكن المشكلة الكبرى في هذا العالم العربي أن حب الكراسي ليس حكرا على الرؤساء والزعماء وحدهم، بل هو أعز ما يطلب لدى السياسيين والمثقفين والنقابيين.
وفي سبيل الجلوس فوقه تقوم الحروب والفتن بين الأحزاب، ويستخرج كل حزب جثث الحزب الذي يصارعه لكي يلوح له أمام وجهه ويفزعه بجماجمها وعظامها المتلاشية.
في سبيل الكرسي ينام المناضلون على قناعة ويصبحون على أخرى.
يؤسسون الجرائد ويجلسون على كراسي إداراتها ويشرعون في تلميع الأحذية الوسخة لأولياء نعمتهم طمعا في الجلوس في أماكن أخرى أعلى من تلك التي هم فيها.
في سبيل الكرسي، يصبح المنتخبون الأميون قادرين على ارتجال الخطب بطلاقة أمام الملأ.
ويصبح الجلادون القساة أكثر وداعة فوق المنصات من ضحاياهم النحيلين والمرضى.
ويصبح اللصوص، الذين عوض أن يتركوا أياديهم داخل جيوبهم دسوها داخل جيوب المواطنين،
أكثر نظافة من وسادة رضيع.
في سبيل الكرسي، يستبدل المناضلون خنادقهم القديمة بدواوينهم الوزارية، ويغيرون البندقية من كتف إلى كتف بلا مشاكل.
في سبيل الكرسي، يتنازل الأرستقراطيون ويدخلون إلى أكواخ البؤساء لتوزيع أوراقهم الانتخابية حيث وجوههم السمينة تحجب الجمل المتعثرة التي تختزل مشاريعهم المتعثرة.
في سبيل الجلوس فوق الكرسي، ينسى المناضلون الأيام التي كانوا يجلسون فيها فوق رؤوس القناني والليالي التي كانت فيها أطرافهم تتقلص بسبب جلسات التعذيب بالكهرباء.
في سبيل الكرسي، تنقطع المناضلات السابقات عن التدخين وينجبن الأبناء ويتحولن إلى مواطنات فاضلات.
في سبيل الكرسي، يتعانق الخصوم مثل أحباب وينسون أحقادهم ويذهبون معا إلى البار ليشربوا نخب الصداقة، وبمجرد ما يسكرون يعترفون للشعب بالخيانة.
في سبيل الكرسي، يجلس اليميني الانتهازي إلى جانب اليساري الثوري حول الطاولة نفسها ويتبادلان القبل وكلمات الغزل في انتظار الانفراد بالشعب.
في سبيل الكرسي، تختزل الثورة في نشيد مبحوح داخل مقرات الحزب ويتم طي الانقلابات بعناية داخل حقائب صغيرة بعد دس حبات الكافور بين ثناياها لكي لا تبعث رائحتها على الغثيان عندما تطـّلع الأجيال الجديدة على جثث الماضي وقتلاه المخبئين بعناية بين ثنايا الذاكرة.
في سبيل الكرسي، يشحذ الرفاق خناجرهم ويشحذ القادة حناجرهم استعدادا للتباري على أصوات الشعب.
في سبيل الكرسي، ينسى الكتاب كتبهم والشعراء قصائدهم والفلاسفة حكمتهم ويقتربون منك.
الكتاب يعشقون فيه دورانه والشعراء يفضلون هشاشته، فيما الفلاسفة تستهويهم قدرته على التنقل من مكان إلى آخر دون أن يضيع منه الهدف.
في سبيل الكرسي، تصبح المرأة عند السياسيين رهانا في الانتخابات، لا يكادون يفرقون بينه وبين رهانهم أيام الآحاد على أحصنة حلبة الخيل.
في سبيل الكرسي، يتعهدون بحماية المرأة من الظلم والأطفال من الشوارع والشباب من البطالة.
وعندما يظهرون في التلفزيون، يعطون الانطباع بأنهم غير مستعدين لتحقيق هذه الشعارات حتى داخل بيوتهم مع زوجاتهم وأطفالهم.
في سبيل الكرسي، يصبح ضعاف الشخصية، الذين مازالت زوجاتهم يضربنهم بالشبشب، قادرين على الوقوف أمام الشعب والتعهد أمامه بالتحلي بالرجولة والصرامة في مواجهة مشاكل الأمة العويصة.
في سبيل الكرسي، تجند وزارات الداخلية الممثلين والمغنين للتغني بمزايا الديمقراطية، ليفهم الشعب أن الأمر يتعلق فقط بمسلسل كوميدي أو أغنية قديمة تتكرر حسب الطلب مثل أغاني الأعياد الوطنية.
في سبيل الكرسي، يبدو اليسار مستعدا لأن يكون أكثر يمينية من اليمين واليمين أكثر يسارية من اليسار، وعندما ينجحان معا يصبحان معا أكثر تطرفا من طالبان.
في سبيل الكرسي، يرفع الجميع شعار الشباب، وأول شيء يقومون به تجاه هذا الشباب بعد الانتخابات هو تصفية شبيبة الحزب، لكي يقطعوا الخلف ويظلوا هم وحدهم جالسين فوقه إلى أن يشيخوا وتصاب أطرافهم بالارتعاش وذاكراتهم بالزهايمر.
في سبيل الكرسي، يتم استخراج جثث المناضلين من قبورها كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وتتم إعادتها بهدوء إلى النسيان بعد أن تكون قد أدت واجبها الوطني في الشهادة للأحياء بالنزاهة التاريخية، مع أن هؤلاء الأموات لو عادوا إلى الحياة من جديد وعاشوا بينهم يوما واحدا لحمدوا الله لأنه قبض أرواحهم قبل أن يحل هذا الزمن الرديء.
أيها الكرسي الوثير،
يا مانح الراحة للأجساد المتعبة والسمنة للأبدان النحيلة،
أيها الكرسي المتحرك الذي يدور حسب ما تشتهيه رياح المصالح،
سواء كنت في البرلمان أو الحكومة أو الجيش
في الإدارة أو فقط كرسي دورة مياه...
كن صلبا قليلا، كن مؤلما، كن شائكا
حتى لا يستطيب الجالسون قعدتهم فوقك إلى الأبد.
أيها الكرسي السخيف الذي يبيع الناس كرامتهم ونخوتهم وإنسانيتهم من أجله،
يا مانح الخلود للعباد الفانين والقوة للمهزومين...
لو فقط تحولت من كرسي وثير إلى كرسي كهربائي،
فهناك كثيرون يجلسون فوقك يستحقون أن تصعقهم حتى الموت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق