الجمعة، 18 فبراير، 2011

الواد السكوتي


أسبوعا واحدا على صدور التقرير السنوي لمجلة «أنترناشيونال ليفينغ»، المتخصصة في فنون العيش، والذي وضع تونس في المرتبة الأولى عربيا على مستوى «جودة الحياة»، كشف نزول الشعب إلى الشارع وإمساكه بالسلطة وهروب الرئيس أن الحياة في تونس لم تكن جيدة كما كانت تصفها بذلك المجلة الإيرلندية المتخصصة.
هذا يعني أن التقارير الدولية التي تمنح الأنظمة والدول العربية شهادات حسن السيرة والسلوك، أو علامات التنبيه أو العتاب، ليست جميعها على صواب، فهي محكومة -في الغالب- بحسابات القوى العظمى التي تتحكم في توجيه «عتابها» أو «نصائحها» إلى هذه الأنظمة.
إن الحكمة الشعبية التي تقول «دوز على الواد الهرهوري لا تدوز على الواد السكوتي» هي الأنسب لفهم ما حدث في تونس. فطيلة 23 سنة والتونسيون مضربون عن الكلام بسبب الخوف. وفجأة، تحول الشعب الصامت إلى نهر هادر من الغضب، وجرف في طريقه 23 سنة من الحكم الدكتاتوري لحزب واحد ابتلع جميع الأحزاب وكمم أفواه المعارضين والنقابيين إلى الحد الذي لم يعد معه مسموحا للمعارضة سوى بأن تطالب في البرلمان بالتمديد للرئيس.
ويبدو أن التونسيين سيحتاجون إلى أشهر طويلة من الصراخ بالشعارات في الشوارع والكلام في القنوات التلفزيونية لكي ينتقموا لكل السنوات الطويلة التي قضوها صامتين مرعوبين بسبب البعبع وجهازه البوليسي الذي نجح في جعل نصف التونسيين يتجسس على النصف الآخر.
لكي نفهم ما حدث في تونس ونستخلص منه الدروس المفيدة لتجنب الأخطاء التي جعلت النظام التونسي يخلط الشعب بقطيع من الأغنام لا يحتاج سوى إلى العشب والماء لكي يعيش، يجب أولا العودة إلى بداية نشوء النواة الأولى لحزب «التجمع الدستوري الديمقراطي»، الحزب الوحيد الذي أسسه بنعلي سنة 1988 خمسة أشهر بعد قيامه بالانقلاب الطبي على الرئيس المريض بورقيبة.
هكذا تأسس «التجمع الدستوري الديمقراطي» على أنقاض حزب الحبيب بورقيبة «الدستور الجديد» الذي رأى النور سنة 1934، مستعينا ببقايا الحزب «الاشتراكي الدستوري». وبما أن شهية «الوافد الجديد» كانت مفتوحة عن آخرها، فقد ابتلع منظمة «الشبيبة الدستورية الديمقراطية»، وأضاف إليها التنظيم الطلابي الذي تحول، بعد عملية هضم سريعة، إلى «منظمة طلبة التجمع الدستوري الديمقراطي».
ولكي يبرر بنعلي عملية الابتلاع الضخمة التي قام بها لكل هذه الأحزاب والتنظيمات، أشهر شعار محاربة التطرف، سواء كان يساريا أو إسلاميا. وهكذا ضمن الحصول على شهادة «حسن السيرة والسلوك» من أوربا والغرب، وخصوصا إسرائيل التي كانت الوحيدة، إلى جانب القذافي، من بكت هروبه من تونس متحسرة على فقدانها لرئيس صديق لإسرائيل منع التظاهر لصالح القضية الفلسطينية وحرم جمع التبرعات لأجلها.
فلكي يرضى عنك الغرب المسيحي وإسرائيل اليهودية ويغلق قادتهما ومنظماتهما الحقوقية أعينهم عن فسادك وتجبرك وتسلطك على شعبك، يجب أن ترفع شعار محاربة الدولة الدينية، مع أن إسرائيل لا ترفع شعار الدولة الدينية فقط وإنما تنص عليه في دستورها، ويدافع الرئيس الأمريكي «أوباما»، بكل قواه، عن حق إسرائيل في إعلان نفسها دولة يهودية خالصة.
والغرب، الذي يرفض تقبل فكرة الدولة الإسلامية في العالم العربي، لا يجد أدنى صعوبة في قبول فكرة الدولة اليهودية في إسرائيل والدولة المسيحية في الفاتيكان. وفرنسا تسمح لمتطرف يميني عنصري اسمه «لوبين» بالترشح للانتخابات الرئاسية، بينما تحشر أنفها في الشؤون الداخلية للجزائر وتونس وتعلن رفضها لفكرة وصول الإسلاميين إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، خوفا على الديمقراطية من التطرف الإسلامي. فالديمقراطية في أوربا وإسرائيل تسمح بوصول التطرف اليميني المسيحي واليهودي المتعصب إلى السلطة، بينما تمنع وصول التطرف الإسلامي إلى السلطة في البلدان العربية.
بنعلي فهم القصة، ولكي يرضي هؤلاء بدأ يتفنن في التنكيل بكل من يشتم فيه رائحة التدين. فكان بنعلي أول من أعلن منع الحج رسميا بسبب أنفلونزا الخنازير التي اتضح فيما بعد أنها لم تكن سوى خدعة. وبادر إلى اختراع طرق جديدة وجهنمية لترصد المصلين وإحصاء أعدادهم ومنع أصوات المؤذنين من تجاوز علو صوامع مساجدهم. فأراد ربك أن ينتهي بنعلي لاجئا في أم القرى يسمع الأذان حيثما ولى وجهه، لكي يفهم أن كلمة الله هي العليا.
وبمجرد ما شعر بنعلي بأنه ابتلع ما يكفي من الأحزاب السياسية والتنظيمات داخل حزبه الواحد، منع القوى السياسية الحية في البلاد، والتي كانت ضامنة للتعددية السياسية، فمنع «حزب العمال الشيوعي التونسي» و«حزب النهضة» و«الحزب الديمقراطي التقدمي»، ووقف من علياء مقر حزب «التجمع الدستوري الديمقراطي» يطل على الشعب واضعا يده فوق صدره مثلما كان يصنع نابليون.
ولا بد أن بنعلي، الذي اشتغل في السفارة التونسية بالرباط كملحق عسكري لسنوات طويلة، (في الحقيقة، كان ملحقا ببار «بلاص بيتري» الذي كان يدخله عصرا ولا يغادره إلى بعد منتصف الليل)، أخذ معه وهو يغادر الرباط نسخا من أرشيف جريدة «العلم» التي صدرت خلال السنوات الأولى للاستقلال.
فخلطة الحزب الوحيد التي نجح بنعلي في إعدادها للتونسيين ونجح في جعلهم يتجرعونها طيلة 23 سنة، ربما يكون قد أخذها من المغرب.
وهكذا، فلكي نفهم ما يحدث في الحاضر، من المفيد دائما الرجوع إلى التاريخ. وفي حالة تونس، يكفي الرجوع إلى بداية استقلال المغرب لكي نفهم خطورة مشروع الحزب الوحيد الذي بدأ مع حزب الاستقلال أيام مغرب محمد الخامس الخارج لتوه من أتون الاستعمار.
فقد حاول حزب الاستقلال، بعد حصول المغرب على استقلاله المشروط ببنود اتفاقية «إكس ليبان»، أن يكون الحزب الوحيد في الساحة السياسية المغربية.
ومن أجل ذلك، قام حزب الاستقلال بحملة تطهير واسعة ضد معارضيه، استعمل فيها جميع أنواع الأسلحة وألوان التعذيب والترهيب. فأنشأ المعتقلات السرية، حيث تكلف أول مدير عام للأمن الوطني في تاريخ المغرب الحديث، الاستقلالي محمد الغزاوي، باعتقال الشوريين والاستقلاليين المعارضين وبقايا أعضاء جيش التحرير والتنكيل بهم وتصفيتهم.
وهذا بالضبط ما قام به بنعلي في تونس منذ 23 سنة من سيطرة حزبه الوحيد على مقاليد السلطة.
لكن أحلام حزب الاستقلال الاستبدادية الرامية إلى إحكام سيطرة الحزب على جميع مؤسسات الدولة وإداراتها، وجدت في مواجهتها خطة مضادة وضعها محمد الخامس، رحمه الله، بإفتاء من ولي العهد آنذاك الراحل الحسن الثاني، تقضي بتأسيس حزب «الحركة الشعبية» سنة 1957 على يد الدكتور الخطيب والمحجوبي أحرضان الذي خرج يقول اليوم إن «فقايص» الاستقلاليين هي التي قتلت محمد الخامس.
وطبعا، لم يكن ميلاد «الحركة الشعبية» سهلا، فقد وقف له حزب الاستقلال بالمرصاد وحاربه بشراسة. فبدأ بمنعه، ثم بمحاربته، إلى أن استطاع الحزب عقد مؤتمره التأسيسي بفضل ظهير الحريات العامة لسنة 1958.
ومنذ ذلك التاريخ، أفلت المغرب من مأزق الحزب الوحيد الذي كان حزب الاستقلال يخطط له. وأصبح المغرب يعيش تعددية سياسية، أحيانا شكلية، وأحيانا أخرى فعلية وصدامية وصلت حدة بعضها إلى منازعة الملك سلطاته والتخطيط مع جنرالات الجيش للانقلاب عليه.
المشكلة الآن، ونحن في سنة 2011، على بعد أسبوع من ثورة الشعب التونسي على الحزب الوحيد، هي كيف نجنب المغرب كابوس العودة إلى فخ الحزب الوحيد؟
وهنا يجب أن نكون واضحين جدا، وأن نقول إن المسار التكويني الذي سار فيه حزب الأصالة والمعاصرة، منذ تأسيسه وإلى اليوم، لا يختلف كثيرا عن المسار الذي نهجه حزب «التجمع الدستوري الديمقراطي» التونسي.
فحزب الهمة قام على أنقاض خمسة أحزاب سياسية ابتلعها دفعة واحدة، ثم دخل في حرب لا هوادة فيها ضد الاشتراكيين والإسلاميين والاستقلاليين، مظهرا قدرة كبيرة على الاستئصال. مع فرق بسيط، وهو أن بنعلي قضى 23 سنة في صناعة هذا البعبع السياسي المسمى «التجمع الدستوري الديمقراطي»، فيما الهمة استطاع أن يصنع بعبعه الحزبي في ظرف قياسي، فأصبح خلال سنتين أول قوة برلمانية حتى دون أن يشارك في الانتخابات التشريعية، وأصبح يبتلع يوميا، بشهية غير طيبة، العشرات من مناضلي وقياديي الأحزاب الأخرى إلى درجة أن كثيرا من المنتخبين الفاسدين أصبحوا يلجؤون إلى حمايته بحثا عن الحصانة وهربا من المتابعة القضائية. أما الانتهازيون فأصبحوا يرون فيه مصعدا سياسيا يوصل إلى كراسي السلطة بسرعة فائقة، ولذلك يسارعون إلى التخلي عن أحزابهم التي بفضل تزكيتها حصلوا على الشرعية السياسية.
إن الخطر كل الخطر يوجد في هذه السلعة التونسية غير الصالحة للاستعمال، والتي يحاول البعض استيرادها لترويجها في السوق السياسي المغربي، رغم ظهور أعراضها السلبية على نظام بكامله.
غدا نشرح كيف أن خلاص المغرب يوجد في تعدديته الحزبية، وكيف أن زعيم الحزب الوحيد بنعلي الذي سقط في تونس لديه أشباه كثيرون في الأحزاب المغربية، وكيف أن السبيل الوحيد للحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي في المغرب يبدأ بقيام الأحزاب المغربية بثوراتها الداخلية الخاصة لإسقاط هؤلاء «البنعليات» الذين سرقوا الأحزاب ونصبوا فيها أبناءهم وأحفادهم وتسببوا في إضعافها وتعريض المغرب لخطر الحزب الوحيد الذي يطل برأسه متوعدا الجميع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق