السبت، 26 مارس، 2011

لمن‮ ‬تعاود‮ ‬زابورك‮ ‬أداود‮

عندما‮ ‬يحكم‮ ‬ضدنا‮ ‬القاضي‮ ‬العلوي،‮ ‬قبل‮ ‬أسبوعين‮ ‬في‮ ‬الرباط،‮ ‬بستة‮ ‬عشر‮ ‬مليون‮ ‬سنتيم‮ ‬لصالح‮ ‬نور‮ ‬الدين‮ ‬الصايل،‮ ‬لمجرد‮ ‬أننا‮ ‬أعدنا‮ ‬نشر‮ ‬تقارير‮ ‬المجلس‮ ‬الأعلى‮ ‬للحسابات‮ ‬التي‮ ‬أنجزها‮ ‬زملاؤه‮ ‬القضاة‮ ‬حول‮ ‬المركز‮ ‬السينمائي،‮ ‬فإن‮ ‬حكم‮ ‬الإدانة،‮ ‬في‮ ‬الحقيقة،‮ ‬ليس‮ ‬موجها‮ ‬إلينا،‮ ‬بل‮ ‬إلى‮ ‬قضاة‮ ‬المجلس‮ ‬الأعلى‮ ‬للحسابات‮ ‬المحلفين‮ ‬الذين‮ ‬أنجزوا‮ ‬تقاريرهم‮ ‬حول‮ ‬هذه‮ ‬المؤسسة‮.‬
وعندما‮ ‬يحكم‮ ‬ضدنا‮ ‬قاض‮ ‬آخر‮ ‬في‮ ‬الدار‮ ‬البيضاء،‮ ‬الأسبوع‮ ‬الماضي،‮ ‬بثمانية‮ ‬ملايين‮ ‬سنتيم‮ ‬لمجرد‮ ‬أننا‮ ‬كتبنا‮ ‬أن‮ ‬المخرج‮ ‬نور‮ ‬الدين‮ ‬الخماري‮ ‬صرف‮ ‬ملايين‮ ‬الدعم‮ ‬التي‮ ‬منحها‮ ‬إياه‮ ‬والي‮ ‬آسفي‮ ‬السابق‮ ‬من‮ ‬جيوب‮ ‬دافعي‮ ‬الضرائب‮ ‬على‮ ‬سهرات‮ ‬مهرجانه‮ ‬السنوي‮ ‬ومشروباته‮ ‬الروحية،‮ ‬فإن‮ ‬حكم‮ ‬الإدانة‮ ‬ليس‮ ‬موجها‮ ‬ضدنا‮ ‬وإنما‮ ‬ضد‮ ‬كل‮ ‬من‮ ‬يطالب‮ ‬بمحاسبة‮ ‬المستفيدين‮ ‬من‮ ‬المال‮ ‬العام‮ ‬وأوجه‮ ‬صرفهم‮ ‬لهذا‮ ‬المال‮. ‬
فكأنما‮ ‬هناك‮ ‬جهة‮ ‬في‮ ‬القضاء‮ ‬تريد‮ ‬أن‮ ‬تسفه‮ ‬تقارير‮ ‬قضاة‮ ‬المجلس‮ ‬الأعلى‮ ‬للحسابات‮ ‬وتبعث‮ ‬رسالة‮ ‬مطمئنة‮ ‬إلى‮ ‬مدراء‮ ‬المؤسسات‮ ‬العمومية‮ ‬والمنتخبة‮ ‬تشجعهم‮ ‬على‮ ‬أن‮ ‬يزيدوا‮ ‬في‮ ‬نهبهم،‮ ‬فالقضاء‮ ‬لا‮ ‬يغمض‮ ‬فقط‮ ‬عينه‮ ‬عنهم‮ ‬بل‮ ‬إنه‮ ‬مجند‮ ‬لسحق‮ ‬كل‮ ‬قلم‮ ‬يطالب‮ ‬بتفعيل‮ ‬قرارات‮ ‬المجلس‮ ‬الأعلى‮ ‬للحسابات‮ ‬واسترجاع‮ ‬أموال‮ ‬دافعي‮ ‬الضرائب‮ ‬المنهوبة‮.‬
وإننا،‮ ‬والله،‮ ‬لنقف‮ ‬مندهشين‮ ‬ونحن‮ ‬نرى‮ ‬سرعة‮ ‬القضاء‮ ‬في‮ ‬إدانتنا‮ ‬بالغرامات‮ ‬المتتالية،‮ ‬فقط‮ ‬لأننا‮ ‬نعلق‮ ‬على‮ ‬ما‮ ‬نشره‮ ‬قضاة‮ ‬المجلس‮ ‬الأعلى‮ ‬للحسابات‮ ‬من‮ ‬تجاوزات‮ ‬واختلاسات‮. ‬وبالقدر‮ ‬ذاته،‮ ‬نندهش‮ ‬من‮ ‬تكاسل‮ ‬هذا‮ ‬القضاء‮ ‬وتخاذله‮ ‬وجبنه‮ ‬عن‮ ‬تقديم‮ ‬ملفات‮ ‬كل‮ ‬هؤلاء‮ ‬المسؤولين‮ ‬الذين‮ ‬أحصى‮ ‬قضاة‮ ‬المجلس‮ ‬تجاوزاتهم‮ ‬الخطيرة‮ ‬أمام‮ ‬القضاء‮ ‬لكي‮ ‬يقول‮ ‬كلمته‮ ‬فيهم‮.‬
لقد‮ ‬فهم‮ ‬الساهرون‮ ‬على‮ ‬القضاء‮ ‬في‮ ‬هذه‮ ‬البلاد‮ ‬رسالة‮ ‬الشباب‮ ‬الذي‮ ‬خرج‮ ‬يتظاهر‮ ‬في‮ ‬شوارع‮ ‬المملكة‮ ‬مقلوبة،‮ ‬فعوض‮ ‬أن‮ ‬يقدموا‮ ‬المفسدين‮ ‬إلى‮ ‬القضاء،‮ ‬قدموا‮ ‬الذين‮ ‬ينددون‮ ‬بالمفسدين‮. ‬ومادمت‮ ‬في‮ ‬المغرب‮ ‬فلا‮ ‬تستغرب،‮ ‬فالأمور‮ ‬تسير‮ ‬رأسا‮ ‬على‮ ‬عقب‮. ‬عندما‮ ‬تفضح‮ ‬مفسدا‮ ‬يلجأ‮ ‬ضدك‮ ‬إلى‮ ‬القضاء‮ ‬لأنه‮ ‬يعرف‮ ‬أن‮ ‬القضاء‮ ‬الفاسد‮ ‬سينصفه‮.‬
وعندما‮ ‬تشير‮ ‬بأصبعك‮ ‬نحو‮ ‬لص‮ ‬من‮ ‬لصوص‮ ‬المال‮ ‬العام،‮ ‬يرفضون‮ ‬رؤية‮ ‬اللص‮ ‬ويركزون‮ ‬أنظارهم‮ ‬على‮ ‬أصبعك،‮ ‬فيبدؤون‮ ‬في‮ ‬تأليف‮ ‬أسئلة‮ ‬غريبة‮ ‬ومحيرة‮ ‬حول‮ ‬شكله‮ ‬ولماذا‮ ‬ظفره‮ ‬غير‮ ‬مقلم‮ ‬ولماذا‮ ‬هو‮ ‬أطول‮ ‬من‮ ‬اللازم‮ ‬وأشياء‮ ‬أخرى‮ ‬لا‮ ‬علاقة‮ ‬لها‮ ‬بالموضوع‮ ‬الرئيسي‮ ‬الذي‮ ‬أشرت‮ ‬إليه‮.‬
وبمجرد‮ ‬ما‮ ‬تسبق‮ ‬إلى‮ ‬كشف‮ ‬تفاصيل‮ ‬ملف‮ ‬شائك‮ ‬يدين‮ ‬أسماء‮ ‬كبيرة‮ ‬في‮ ‬عالم‮ ‬السياسة‮ ‬أو‮ ‬المال‮ ‬والأعمال،‮ ‬وتنشر‮ ‬الوثائق‮ ‬والأسماء‮ ‬والأرقام،‮ ‬يسارعون‮ ‬إلى‮ ‬طرح‮ ‬أسئلة‮ ‬حول‮ ‬الجهة‮ ‬التي‮ ‬سربت‮ ‬الملف،‮ ‬مع‮ ‬أن‮ ‬السؤال‮ ‬الحقيقي‮ ‬هو‮: ‬هل‮ ‬ما‮ ‬يوجد‮ ‬في‮ ‬الملف‮ ‬من‮ ‬معلومات‮ ‬ووثائق‮ ‬واتهامات‮ ‬صحيح‮ ‬أم‮ ‬غير‮ ‬صحيح؟‮ ‬أما‮ ‬من‮ ‬أين‮ ‬أتى‮ ‬الملف‮ ‬فليس‮ ‬مهما،‮ ‬مادامت‮ ‬المعلومات‮ ‬التي‮ ‬يتضمنها‮ ‬صحيحة‮. ‬
هذه‮ ‬الطريقة‮ ‬تسمى‮ ‬في‮ ‬علم‮ ‬السياسة‮ «‬التعويم‮»‬،‮ ‬أي‮ ‬إبعاد‮ ‬النقاش‮ ‬عن‮ ‬لب‮ ‬المشكلة‮ ‬وصرفه‮ ‬نحو‮ ‬هوامش‮ ‬بعيدة‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬تبديد‮ ‬انتباه‮ ‬الرأي‮ ‬العام‮.‬
وقد‮ ‬رأينا‮ ‬مثالا‮ ‬واضحا‮ ‬على‮ ‬هذه‮ ‬النظرية‮ ‬عندما‮ ‬نشرنا‮ ‬لائحة‮ ‬مفصلة‮ ‬حول‮ ‬الكوارث‮ ‬والجرائم‮ ‬العمرانية‮ ‬التي‮ ‬ارتكبها‮ ‬حسن‮ ‬أوريد‮ ‬عندما‮ ‬كان‮ ‬واليا‮ ‬على‮ ‬جهة‮ ‬مكناس‮ ‬تافيلالت،‮ ‬وكيف‮ ‬اغتنى‮ ‬في‮ ‬ظرف‮ ‬خمس‮ ‬سنوات‮ ‬هو‮ ‬وأفراد‮ ‬عائلته‮ ‬بفضل‮ ‬استغلاله‮ ‬لنفوذه‮. ‬وعوض‮ ‬أن‮ ‬يجيبنا‮ ‬حسن‮ ‬أوريد‮ ‬ببيان‮ ‬حقيقة‮ ‬مفصل‮ ‬ينفي‮ ‬أو‮ ‬يؤكد‮ ‬فيه‮ ‬حقيقة‮ ‬ممتلكاته،‮ ‬أجابنا‮ ‬بقصيدة‮ ‬سخيفة‮ ‬في‮ ‬الهجاء،‮ ‬أي‮ ‬أنه‮ ‬توسل‮ ‬بالخيال‮ ‬المجنح‮ ‬للإفلات‮ ‬من‮ ‬الواقع‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يرتفع‮. ‬
والواقع‮ ‬أن‮ ‬هناك‮ ‬اليوم‮ ‬ثلاثة‮ ‬أشخاص،‮ ‬واحد‮ ‬منهم‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يقف‮ ‬أمام‮ ‬القضاء،‮ ‬إما‮ ‬أن‮ ‬يرفع‮ ‬حسن‮ ‬أوريد،‮ ‬والولاة‮ ‬الحاليون‮ ‬والسابقون‮ ‬الذين‮ ‬كتبنا‮ ‬عن‮ ‬تجاوزاتهم،‮ ‬دعوى‮ ‬قضائية‮ ‬ضدنا‮ ‬لكي‮ ‬نمثل‮ ‬أمام‮ ‬القضاء‮ ‬ونقدم‮ ‬أمامه‮ ‬أدلتنا‮ ‬على‮ ‬صحة‮ ‬ما‮ ‬كتبناه‮ ‬حولهم‮ ‬وحول‮ ‬ممتلكاتهم‮ ‬وتجاوزاتهم،‮ ‬وإما‮ ‬أن‮ ‬يلتزم‮ ‬حسن‮ ‬أوريد،‮ ‬وأشبابه،‮ ‬الصمت‮ ‬مفضلا‮ ‬قرض‮ ‬الشعر‮ ‬على‮ ‬تدبيج‮ ‬بيانات‮ ‬الحقيقة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬تصبح‮ ‬النيابة‮ ‬العامة‮ ‬مجبرة‮ ‬على‮ ‬فتح‮ ‬تحقيق‮ ‬حول‮ ‬صمتهم‮ ‬واستدعائهم‮ ‬لكي‮ ‬تستمع‮ ‬إلى‮ ‬إفادتهم‮. ‬
أما‮ ‬إذا‮ ‬لم‮ ‬نمثل‮ ‬لا‮ ‬نحن‮ ‬ولا‮ ‬هم‮ ‬أمام‮ ‬القضاء،‮ ‬ففي‮ ‬هذه‮ ‬الحالة‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يمثل‮ ‬أمامه‮ ‬العربي‮ ‬مريد،‮ ‬مفتش‮ ‬الإدارة‮ ‬الترابية‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية،‮ ‬بتهمة‮ ‬التواطؤ‮ ‬والتستر،‮ ‬وذلك‮ ‬لامتناعه‮ ‬عن‮ ‬الذهاب‮ ‬إلى‮ ‬مكناس‮ ‬وفاس‮ ‬لفتح‮ ‬تحقيق‮ ‬في‮ ‬كل‮ ‬الاتهامات‮ ‬والمخالفات‮ ‬التي‮ ‬كتبنا‮ ‬حولها‮ ‬طيلة‮ ‬هذه‮ ‬المدة‮. ‬
فالعربي‮ ‬مريد،‮ ‬وطبقا‮ ‬للقانون‮ ‬المنظم‮ ‬لعمل‮ ‬المفتشية‮ ‬الترابية‮ ‬التي‮ ‬يترأسها،‮ ‬يصبح‮ ‬مجبرا‮ ‬في‮ ‬مثل‮ ‬هذه‮ ‬الحالات‮ ‬على‮ ‬التنقل‮ ‬إلى‮ ‬عين‮ ‬المكان‮ ‬وإعداد‮ ‬تقرير‮ ‬يحيله‮ ‬على‮ ‬أنظار‮ ‬وزير‮ ‬الداخلية‮ ‬لكي‮ ‬يتخذ‮ ‬فيه‮ ‬القرار‮ ‬المناسب،‮ ‬فلهذا‮ ‬الهدف‮ ‬بالضبط‮ ‬خلقت‮ ‬مفتشية‮ ‬الإدارة‮ ‬الترابية‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮. ‬
نحن‮ ‬نعرف‮ ‬أن‮ ‬العربي‮ ‬مريد‮ ‬لن‮ ‬يحرك‮ ‬ساكنا‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬الملف،‮ ‬مثلما‮ ‬لم‮ ‬يحرك‮ ‬ساكنا‮ ‬في‮ ‬ملفات‮ ‬ولاة‮ ‬آخرين‮ ‬جف‮ ‬ريقنا‮ ‬ونحن‮ ‬نحصي‮ ‬تجاوزاتهم‮ ‬الإدارية‮ ‬وجرائمهم‮ ‬العمرانية،‮ ‬وأشهرهم‮ ‬أوريد‮ ‬والي‮ ‬مكناس‮ ‬السابق،‮ ‬والغرابي‮ ‬والي‮ ‬فاس‮ ‬الحالي‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يستطع‮ ‬نفي‮ ‬اتهام‮ ‬واحد‮ ‬من‮ ‬لائحة‮ ‬المخالفات‮ ‬التي‮ ‬نشرناها‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬العمود‮ ‬والتي‮ ‬ورطه‮ ‬فيها‮ ‬العمدة‮ ‬شباط‮ ‬والشخصيات‮ ‬العسكرية‮ ‬والقضائية‮ ‬النافذة‮ ‬التي‮ ‬يسدي‮ ‬إليها‮ ‬الخدمات‮.‬
ببساطة،‮ ‬لأن‮ ‬السيد‮ ‬العربي‮ ‬مريد،‮ ‬لم‮ ‬يجلبه‮ ‬ولي‮ ‬نعمته‮ ‬الطيب‮ ‬الشرقاوي‮ ‬من‮ ‬مديرية‮ ‬الشؤون‮ ‬الجنائية‮ ‬والعفو‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬مراقبة‮ ‬تجاوزات‮ ‬الولاة‮ ‬والعمال‮ ‬ومعاقبتهم‮ ‬على‮ ‬ذلك،‮ ‬فهو‮ ‬لا‮ ‬يملك‮ ‬المؤهلات‮ ‬العلمية‮ ‬والمهنية‮ ‬لتسيير‮ ‬مؤسسة‮ ‬للمراقبة‮ ‬كهذه،‮ ‬وإنما‮ ‬جلبه‮ ‬ورقاه‮ ‬حتى‮ ‬أصبح‮ ‬واليا‮ ‬مفتشا‮ ‬عاما‮ ‬لغاية‮ ‬واحدة‮ ‬هي‮ ‬الإشراف،‮ ‬بالتنسيق‮ ‬مع‮ ‬العمال،‮ ‬على‮ ‬البحث‮ ‬عن‮ ‬الأراضي‮ ‬في‮ ‬الأقاليم‮ ‬التي‮ ‬يتولون‮ ‬تسييرها‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬ضمها‮ ‬إلى‮ ‬الإمبراطوريات‮ ‬العقارية‮ ‬الواسعة‮ ‬للمقربين‮ ‬وكبار‮ ‬موظفي‮ ‬الدولة‮.‬
ولهذا‮ ‬السبب،‮ ‬فمكتب‮ ‬سعادة‮ ‬المفتش‮ ‬الوالي‮ ‬المكلف‮ ‬بالإدارة‮ ‬الترابية‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬أصبح‮ ‬مزارا‮ ‬لخبراء‮ ‬التنقيب‮ ‬عن‮ ‬الأراضي‮ ‬والضيعات،‮ ‬مثلما‮ ‬أصبح‮ ‬مزارا‮ ‬يوميا‮ ‬لتوفيق‮ ‬الشرقاوي،‮ ‬المحافظ‮ ‬العام‮ ‬للمملكة‮.‬
إن‮ ‬مهمة‮ ‬العربي‮ ‬مريد،‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يستطيع‮ ‬هو‮ ‬نفسه‮ ‬التعرف‮ ‬على‮ ‬كل‮ ‬الأراضي‮ ‬التي‮ ‬اشتراها‮ ‬وسجلها‮ ‬في‮ ‬اسمه‮ ‬وأسماء‮ ‬أفراد‮ ‬عائلته،‮ ‬ليست‮ ‬هي‮ ‬مراقبة‮ ‬ممتلكات‮ ‬الدولة،‮ ‬وإنما‮ ‬هي‮ ‬التنسيق‮ ‬مع‮ ‬العمال‮ ‬المعنيين‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬تعيين‮ ‬الأراضي‮ ‬واقتنائها‮ ‬وتصفيتها‮ ‬من‮ ‬الناحية‮ ‬القانونية‮ ‬لحساب‮ ‬من‮ ‬يهمهم‮ ‬الأمر‮ ‬من‮ ‬المحيطين‮ ‬بدوائر‮ ‬القرار‮.  ‬
ولهذا‮ ‬السبب،‮ ‬فهو‮ ‬لا‮ ‬يجد‮ ‬الوقت‮ ‬لمراقبة‮ ‬ممتلكات‮ ‬الدولة‮ ‬والسهر‮ ‬على‮ ‬مراقبة‮ ‬عمل‮ ‬الولاة‮ ‬والعمال،‮ ‬فهو،‮ ‬إلى‮ ‬جانب‮ «‬بوفوس‮» ‬المدير‮ ‬العام‮ ‬للشؤون‮ ‬الداخلية‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية،‮ ‬حولا‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬إلى‮ ‬آلة‮ ‬معطلة‮ ‬صدئت‮ ‬مفاصلها‮ ‬وأصبحت‮ ‬غير‮ ‬قادرة‮ ‬على‮ ‬مواكبة‮ ‬متغيرات‮ ‬العهد‮ ‬الجديد‮ ‬الذي‮ ‬يستعد‮ ‬المغرب‮ ‬لدخوله‮.‬
ففي‮ ‬غياب‮ ‬رجال‮ ‬الدولة‮ ‬الأقوياء‮ ‬داخل‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية،‮ ‬تمكن‮ «‬بوفوس‮» ‬من‮ ‬بسط‮ ‬سيطرته‮ ‬على‮ ‬دواليب‮ ‬الوزارة،‮ ‬بحكم‮ ‬تتلمذه‮ ‬على‮ ‬يد‮ ‬إدريس‮ ‬البصري‮ ‬في‮ ‬فنون‮ ‬التزوير‮ ‬الانتخابي،‮ ‬فغيب‮ ‬كاتب‮ ‬الدولة‮ ‬والكاتب‮ ‬العام‮ ‬والمدير‮ ‬العام‮ ‬للجماعات‮ ‬المحلية‮ ‬وكافة‮ ‬المسؤولين‮.‬
التحكم‮ ‬ظهر‮ ‬في‮ ‬الأيام‮ ‬الأخيرة‮ ‬من‮ ‬خلال‮ ‬الترقيات‮ ‬التي‮ ‬استفادت‮ ‬منها‮ ‬مؤخرا‮ ‬مجموعة‮ ‬من‮ ‬رجال‮ ‬السلطة‮ ‬والأطر‮ ‬الإدارية‮ ‬العاملة‮ ‬في‮ ‬مديرية‮ ‬الشؤون‮ ‬الداخلية‮.‬
فقد‮ ‬حول‮ «‬بوفوس‮» ‬جميع‮ ‬المناصب‮ ‬المتعلقة‮ ‬بهذه‮ ‬الترقيات‮ ‬إلى‮ ‬الأشخاص‮ ‬العاملين‮ ‬تحت‮ ‬وصايته‮ ‬في‮ ‬المديرية‮ ‬العامة‮ ‬للشؤون‮ ‬الداخلية،‮ ‬وخاصة‮ ‬الذين‮ ‬يعبرون‮ ‬عن‮ ‬ولائهم‮ ‬وإخلاصهم‮ ‬بشكل‮ ‬مريب‮ ‬لهذا‮ ‬الشخص‮. ‬
فالنظام‮ ‬الأساسي‮ ‬الجديد‮ ‬لرجال‮ ‬السلطة‮ ‬يعتبر‮ ‬ملكا‮ ‬لجميع‮ ‬الشرائح‮ ‬الوطنية،‮ ‬بحيث‮ ‬أبقى‮ ‬الباب‮ ‬مفتوحا‮ ‬لجميع‮ ‬الأطر،‮ ‬أكانت‮ ‬في‮ ‬الوزارة‮ ‬أم‮ ‬خارجها،‮ ‬للتعيين‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬الإطار‮. ‬إلا‮ ‬أن‮ ‬السيد‮ ‬المدير‮ ‬العام‮ ‬أبى‮ ‬إلا‮ ‬أن‮ ‬يعين‮ ‬الموظفين‮ ‬الموالين‮ ‬له‮ ‬والمنبطحين‮ ‬له،‮ ‬متجاهلا‮ ‬الأطر‮ ‬التي‮ ‬تستحق‮ ‬هاته‮ ‬الترقيات‮ ‬والمنتمية‮ ‬إلى‮ ‬المديريات‮ ‬العديدة‮ ‬المكونة‮ ‬للوزارة،‮ ‬مما‮ ‬ولد‮ ‬مظاهر‮ ‬اليأس‮ ‬والتساؤل‮ ‬وانسداد‮ ‬الآفاق‮ ‬لمجموعة‮ ‬من‮ ‬الأطر‮ ‬التي‮ ‬كانت‮ ‬تتوق‮ ‬إلى‮ ‬مثل‮ ‬هاته‮ ‬الترقيات‮ ‬وتستحقها‮ ‬عن‮ ‬جدارة‮.‬
والغريب‮ ‬في‮ ‬الأمر‮ ‬أن‮ ‬كل‮ ‬هاته‮ ‬الترقيات‮ ‬مرت‮ ‬في‮ ‬صمت‮ ‬وبطريقة‮ ‬سرية‮ ‬لم‮ ‬يخبر‮ ‬بها‮ ‬حتى‮ ‬المسؤولون‮ ‬الكبار‮ ‬في‮ ‬الوزارة،‮ ‬وكأن‮ ‬الأمر‮ ‬يتعلق‮ ‬بأسرار‮ ‬الدولة‮.‬
هكذا،‮ ‬أصبحت‮ ‬مديريات‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬شبيهة‮ ‬بمماليك‮ ‬ملوك‮ ‬الطوائف،‮ ‬كل‮ ‬مدير‮ ‬يتصرف‮ ‬في‮ ‬مديريته‮ ‬كما‮ ‬لو‮ ‬كانت‮ ‬ضيعة‮ ‬خاصة‮ ‬يصنع‮ ‬فيها‮ ‬ما‮ ‬يشاء‮.‬
إن‮ ‬المغرب‮ ‬الذي‮ ‬يطمح‮ ‬إليه‮ ‬المواطنون‮ ‬اليوم‮ ‬لا‮ ‬يمكن‮ ‬أن‮ ‬يرى‮ ‬النور‮ ‬بوجود‮ ‬رجال‮ ‬ينتمون‮ ‬إلى‮ ‬العهود‮ ‬المظلمة‮ ‬لسنوات‮ ‬الرصاص‮ ‬داخل‮ ‬واحدة‮ ‬من‮ ‬أهم‮ ‬الوزارات،‮ ‬بل‮ ‬برجال‮ ‬أكفاء‮ ‬ونزيهين‮ ‬وشباب‮ ‬ينتمون‮ ‬إلى‮ ‬هذا‮ ‬العصر،‮ ‬لا‮ ‬إلى‮ ‬عصر‮ ‬تازمامارت‮ ‬ودرب‮ ‬مولاي‮ ‬الشريف‮.‬
عندما‮ ‬يقف‮ ‬المسؤولون‮ ‬عن‮ ‬المحاسبة‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬عاجزين‮ ‬عن‮ ‬القيام‮ ‬بواجبهم‮ ‬الذي‮ ‬من‮ ‬أجله‮ ‬يتقاضون‮ ‬رواتبهم،‮ ‬فإن‮ ‬السؤال‮ ‬الكبير‮ ‬الذي‮ ‬يطرح‮ ‬نفسه‮ ‬هو‮: ‬لمصلحة‮ ‬من‮ ‬يشتغل‮ ‬هؤلاء،‮ ‬ولماذا‮ ‬يتسترون‮ ‬على‮ ‬المفسدين‮ ‬ويحمونهم‮ ‬من‮ ‬المحاسبة‮ ‬التي‮ ‬أعلن‮ ‬عنها‮ ‬الملك‮ ‬في‮ ‬خطابه‮. ‬ما‮ ‬هو‮ ‬مقابل‮ ‬هذا‮ ‬التواطؤ‮ ‬المشبوه،‮ ‬وما‮ ‬هي‮ ‬الرسالة‮ ‬التي‮ ‬يريدون‮ ‬إيصالها‮ ‬إلى‮ ‬المسؤولين‮ ‬الآخرين؟
نخشى‮ ‬أن‮ ‬تكون‮ ‬الرسالة‮ ‬التي‮ ‬يريد‮ ‬هؤلاء‮ ‬المسؤولون‮ ‬تعميمها‮ ‬على‮ ‬من‮ ‬يتولون‮ ‬تسيير‮ ‬أمورنا‮ ‬هي‮ «‬خليهم‮ ‬هوما‮ ‬يكتبو‮ ‬اللي‮ ‬بغاو‮ ‬وخلينا‮ ‬حنا‮ ‬نديرو‮ ‬اللي‮ ‬بغينا‮»‬،‮  ‬
أي‮ ‬بالعربية‮ «‬تاعرابت‮»‬،‮ ‬فهم‮ ‬يقولون‮ ‬لكل‮ ‬دعاة‮ ‬الإصلاح‮ ‬والتغيير‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬البلد‮ «‬لمن‮ ‬تعاود‮ ‬زابورك‮ ‬أداود‮».‬

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق