السبت، 12 مارس، 2011

محمد الثائر


لم‮ ‬يحدث،‮ ‬منذ‮ ‬اعتلاء‮ ‬الملك‮ ‬عرش‮ ‬المملكة،‮ ‬أن‮ ‬كان‮ ‬المغاربة،‮
‬داخل‮ ‬الوطن‮ ‬وخارجه،‮ ‬مشدودين‮ ‬إلى‮ ‬شاشات‮ ‬التلفزيون‮ ‬وأجهزة‮
‬الراديو‮ ‬مثلما‮ ‬كانوا‮ ‬مساء‮ ‬الأربعاء،‮ ‬فقد‮ ‬كان‮ ‬الجميع‮ ‬ينتظر‮
‬من‮ ‬الملك‮ ‬أن‮ «‬يفرتك‮ ‬الرمانة‮» ‬و‮«‬يطلقنا‮ ‬للفراجة‮»‬،‮ ‬خصوصا‮
‬والدعوات‮ ‬عبر‮ ‬الفيسبوك‮ ‬إلى‮ ‬التظاهر‮ ‬المليوني‮ ‬يوم‮ ‬20‮ ‬مارس‮
‬لمطالبة‮ ‬الملك‮ ‬بالإصلاحات‮ ‬في‮ ‬أوجها‮. ‬
الجميع‮ ‬كان‮ ‬ينتظر‮ ‬من‮ ‬الملك‮ ‬إما‮ ‬أن‮ ‬يصطف‮ ‬إلى‮ ‬جانب‮ ‬شرذمة‮
‬من‮ ‬المحافظين‮ ‬والانتهازيين‮ ‬الذين‮ ‬يريدون‮ ‬تهريب‮ ‬الملكية‮
‬لمصلحتهم‮ ‬الخاصة‮ ‬وسرقتها‮ ‬من‮ ‬الشعب،‮ ‬وإما‮ ‬أن‮ ‬يكشف‮ ‬عن‮ ‬وجهه‮
‬الثوري‮ ‬الحقيقي‮ ‬متجاوزا‮ ‬مطالب‮ ‬ومزايدات‮ ‬بعض‮ ‬ثوريي‮ ‬أيام‮ ‬العطل‮
‬الأسبوعية،‮ ‬ويعلن‮ ‬عن‮ ‬انقلاب‮ ‬دستوري‮ ‬شامل‮ ‬وجذري‮ ‬دون‮ ‬أن‮ ‬تسيل‮
‬قطرة‮ ‬دم‮ ‬واحدة‮ ‬في‮ ‬الشوارع‮ ‬في‮ ‬سبيل‮ ‬هذا‮ ‬المطلب‮.‬
لقد‮ ‬ظل‮ ‬المغاربة‮ ‬يضعون‮ ‬أيديهم‮ ‬على‮ ‬قلوبهم‮ ‬خوفا‮ ‬على‮ ‬المغرب‮
‬طيلة‮ ‬الأيام‮ ‬الأخيرة‮. ‬ولا‮ ‬بد‮ ‬أنهم‮ ‬اليوم،‮ ‬بعد‮ ‬هذا‮ ‬الخطاب،‮
‬قد‮ ‬تنفسوا‮ ‬الصعداء‮ ‬وهم‮ ‬يرون‮ ‬ملكهم‮ ‬يتجاوز‮ ‬الاستجابة‮ ‬لسقف‮
‬مطلب‮ ‬التغيير‮ ‬لكي‮ ‬يبلغ‮ ‬سقف‮ ‬مطلب‮ ‬الثورة‮ ‬نفسها،‮ ‬مستحقا‮ ‬بذلك‮
‬اسم‮ ‬محمد‮ ‬الثائر‮. ‬
وإذا‮ ‬كان‮ ‬هناك‮ ‬من‮ ‬بلد‮ ‬أمامه‮ ‬فرصة‮ ‬تاريخية‮ ‬للاستفادة‮ ‬من‮
‬الثورات‮ ‬والانتفاضات‮ ‬الشعبية‮ ‬التي‮ ‬تحدث‮ ‬في‮ ‬العالم‮ ‬العربي‮
‬اليوم،‮ ‬فهو‮ ‬المغرب‮. ‬وكما‮ ‬يقول‮ ‬المثل‮ «‬داخل‮ ‬كل‮ ‬محنة‮ ‬هناك‮
‬فرصة‮». ‬ويبدو‮ ‬الآن،‮ ‬بعد‮ ‬الخطاب‮ ‬الملكي‮ ‬الأخير،‮ ‬أن‮ ‬ملك‮
‬البلاد‮ ‬اختار‮ ‬أن‮ ‬يستغل‮ ‬الجانب‮ ‬الإيجابي‮ ‬في‮ ‬المحن‮ ‬التي‮
‬تجتازها‮ ‬شعوب‮ ‬العالم‮ ‬العربي‮ ‬لكي‮ ‬يقود‮ ‬الثورة‮ ‬بنفسه‮ ‬ويصطف‮
‬إلى‮ ‬جانب‮ ‬الشعب‮ ‬لتحقيق‮ ‬مطالبه‮ ‬المشروعة‮ ‬في‮ ‬العدالة‮ ‬والمساواة‮
‬والكرامة‮.‬
لذلك‮ ‬كان‮ ‬خطاب‮ ‬مساء‮ ‬الأربعاء‮ ‬ثوريا‮ ‬بكل‮ ‬المقاييس،‮ ‬لأنه‮ ‬لم‮
‬يكتف‮ ‬فقط‮ ‬بالاستجابة‮ ‬لمطالب‮ ‬الشعب‮ ‬على‮ ‬مستوى‮ ‬الإصلاحات‮
‬السياسية‮ ‬بل‮ ‬إنه‮ ‬رفع‮ ‬العارضة‮ ‬عاليا‮ ‬عندما‮ ‬أعطى‮ ‬الشعب‮
‬صلاحية‮ ‬اختيار‮ ‬الملكية‮ ‬التي‮ ‬يريدها‮ ‬عبر‮ ‬استفتاء‮ ‬شعبي‮ ‬حول‮
‬الدستور‮ ‬الجديد‮. ‬
هكذا،‮ ‬فالملك‮ ‬لن‮ ‬يكون‮ ‬هو‮ ‬من‮ ‬يفرض‮ ‬الملكية‮ ‬التي‮ ‬يريدها‮ ‬على‮
‬الشعب،‮ ‬كما‮ ‬أن‮ ‬خديجة‮ ‬الرياضي‮ ‬والجمعية‮ ‬المغربية‮ ‬لحقوق‮
‬الإنسان‮ ‬وحزب‮ ‬النهج‮ ‬الديمقراطي‮ ‬لن‮ ‬يكونوا‮ ‬هم‮ ‬من‮ ‬سيفرض‮ ‬على‮
‬المغاربة‮ ‬الملكية‮ ‬التي‮ ‬يريدونها،‮ ‬بل‮ ‬إن‮ ‬الشعب‮ ‬هو‮ ‬الذي‮
‬سيختار‮ ‬الملكية‮ ‬التي‮ ‬يريدها‮. ‬وأكثر‮ ‬المقاييس‮ ‬ديمقراطية‮ ‬في‮
‬العالم‮ ‬لمعرفة‮ ‬رأي‮ ‬الشعب‮ ‬هو‮ ‬الاستفتاء‮. ‬
وعندما‮ ‬يتحدث‮ ‬الملك‮ ‬في‮ ‬خطابه‮ ‬عن‮ ‬الطابع‮ ‬الملكي‮ ‬للنظام‮ ‬دون‮
‬أن‮ ‬يحدد‮ ‬ما‮ ‬إذا‮ ‬كانت‮ ‬هذه‮ ‬الملكية‮ ‬برلمانية‮ ‬أو‮ ‬تنفيذية،‮
‬فإنه‮ ‬يفتح‮ ‬أمام‮ ‬اللجنة،‮ ‬التي‮ ‬ستسهر‮ ‬على‮ ‬اقتراح‮ ‬الدستور‮
‬الجديد‮ ‬على‮ ‬الشعب،‮ ‬الباب‮ ‬على‮ ‬مصراعيه‮ ‬لكي‮ ‬يجتهد‮ ‬أعضاؤها‮
‬ويكشفوا‮ ‬عن‮ ‬جرأة‮ ‬واستقلالية‮ ‬تعضد‮ ‬طموح‮ ‬الملك‮ ‬وترقى‮ ‬إلى‮
‬ثوريته‮.‬
ولعل‮ ‬أول‮ ‬شيء‮ ‬لاحظه‮ ‬كل‮ ‬من‮ ‬تتبع‮ ‬الخطاب‮ ‬الملكي‮ ‬هو‮ ‬جلوس‮
‬ولي‮ ‬العهد‮ ‬مولاي‮ ‬الحسن،‮ ‬لأول‮ ‬مرة،‮ ‬إلى‮ ‬جانب‮ ‬والده‮ ‬في‮
‬خطاب‮ ‬حاسم‮ ‬يبشر‮ ‬بعهد‮ ‬ملكي‮ ‬جديد‮. ‬إنها‮ ‬رسالة‮ ‬واضحة‮ ‬إلى‮ ‬كل‮
‬أولئك‮ ‬الغربيين‮ ‬الذين‮ ‬تنبؤوا‮ ‬في‮ ‬كتبهم‮ ‬بأن‮ ‬الملك‮ ‬محمد‮
‬السادس‮ ‬هو‮ ‬آخر‮ ‬الملوك‮ ‬العلويين‮. ‬وهذه‮ ‬الرسالة‮ ‬تقول‮ ‬لهؤلاء‮
‬إن‮ ‬الملكية‮ ‬في‮ ‬المغرب‮ ‬ستتطور‮ ‬وتتغير،‮ ‬ولكنها‮ ‬لن‮ ‬تنقرض‮. ‬
الرسالة‮ ‬الثانية‮ ‬القوية‮ ‬كانت‮ ‬هي‮ ‬تأكيد‮ ‬الملك‮ ‬على‮ ‬أن‮ ‬الإسلام‮
‬هو‮ ‬دين‮ ‬الدولة‮. ‬وهو‮ ‬جواب‮ ‬واضح‮ ‬عن‮ ‬كل‮ ‬المطالب‮ ‬التي‮ ‬رفعتها‮
‬بعض‮ ‬الجهات‮ ‬المطالبة‮ ‬بالتنصيص‮ ‬على‮ ‬الطابع‮ ‬العلماني‮ ‬للدولة‮
‬المغربية‮.‬
إنه‮ ‬استباق‮ ‬ملكي‮ ‬لتجنب‮ ‬الأزمة‮ ‬الدستورية‮ ‬التي‮ ‬تعيشها‮ ‬مصر‮
‬حاليا‮ ‬بعد‮ ‬الثورة‮ ‬بسبب‮ ‬الفصل‮ ‬الذي‮ ‬ينص،‮ ‬في‮ ‬الدستور،‮ ‬على‮
‬أن‮ ‬الإسلام‮ ‬هو‮ ‬الدين‮ ‬الرسمي‮ ‬للدولة‮ ‬المصرية‮. ‬
فقد‮ ‬اكتشف‮ ‬صانعو‮ ‬الثورة‮ ‬المصرية‮ ‬أن‮ ‬هناك‮ ‬أقليات،‮ ‬قبطية‮
‬بالخصوص،‮ ‬تريد‮ ‬أن‮ ‬تستغل‮ ‬صياغة‮ ‬الدستور‮ ‬الجديد‮ ‬لإلغاء‮ ‬الطابع‮
‬الديني‮ ‬للدولة‮ ‬المصرية‮ ‬والدخول‮ ‬في‮ ‬عهد‮ ‬العلمانية‮. ‬وقد‮ ‬رأينا‮
‬كيف‮ ‬أن‮ ‬هذا‮ ‬النقاش‮ ‬تجاوز‮ ‬حدوده‮ ‬الديمقراطية‮ ‬لكي‮ ‬يتحول‮ ‬إلى‮
‬تقاتل‮ ‬في‮ ‬الشوارع‮ ‬بالسكاكين‮ ‬والحجارة‮ ‬بين‮ ‬المسلمين‮ ‬والأقلية‮
‬القبطية‮.‬
إننا‮ ‬نفهم‮ ‬الآن‮ ‬لماذا‮ ‬خصصت‮ ‬الكنائس‮ ‬الغربية‮ ‬ميزانيات‮ ‬كبيرة‮
‬لمشروع‮ ‬نشر‮ ‬المسيحية‮ ‬في‮ ‬العالم‮ ‬العربي،‮ ‬وخصوصا‮ ‬المغرب‮
‬العربي‮. ‬فقد‮ ‬كانت‮ ‬هذه‮ ‬الخطة‮ ‬تروم‮ ‬خلق‮ ‬أقلية‮ ‬مسيحية‮ ‬داخل‮
‬كل‮ ‬دولة‮ ‬إسلامية‮ ‬تستطيع‮ ‬أن‮ ‬تتفاوض‮ ‬مع‮ ‬النظام‮ ‬في‮ ‬الوقت‮
‬المناسب،‮ ‬بحجة‮ ‬الحق‮ ‬في‮ ‬الحرية‮ ‬الدينية،‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬إزالة‮ ‬الفصل‮
‬الدستوري‮ ‬الذي‮ ‬ينص‮ ‬على‮ ‬الطابع‮ ‬الديني‮ ‬للدولة‮. ‬لحسن‮ ‬الحظ‮ ‬أن‮
‬الدولة‮ ‬المغربية‮ ‬تفطنت‮ ‬لهذا‮ ‬المخطط‮ ‬المحكم‮ ‬وأفشلته‮ ‬في‮ ‬مهده‮.‬
الملك‮ ‬يعرف‮ ‬أن‮ ‬المغاربة‮ ‬يمكن‮ ‬أن‮ ‬يتسامحوا‮ ‬في‮ ‬كل‮ ‬شيء‮ ‬إلا‮
‬في‮ ‬دينهم‮. ‬ولذلك،‮ ‬فالتركيز‮ ‬على‮ ‬أن‮ ‬الإسلام‮ ‬هو‮ ‬الدين‮ ‬الرسمي‮
‬للدولة‮ ‬رسالة‮ ‬واضحة‮ ‬موجهة‮ ‬إلى‮ ‬القوى‮ ‬التي‮ ‬تنادي‮ ‬بعلمنة‮
‬المجتمع‮ ‬المغربي‮ ‬ومحاربة‮ ‬مظاهر‮ «‬أسلمته‮»‬،‮ ‬مفادها‮ ‬أن‮ ‬الإسلام‮
‬سيبقى‮ ‬ركنا‮ ‬أساسيا‮ ‬من‮ ‬أركان‮ ‬الدولة‮. ‬
الرسالة‮ ‬الثالثة‮ ‬تتعلق‮ ‬بالمكون‮ ‬الأمازيغي‮ ‬عندما‮ ‬نص‮ ‬المرتكز‮
‬الأول‮ ‬للإصلاح‮ ‬الدستوري‮ ‬الذي‮ ‬جاء‮ ‬به‮ ‬الملك‮ ‬على‮ ‬ضرورة‮ ‬تكريس‮
‬الطابع‮ ‬التعددي‮ ‬للهوية‮ ‬المغربية‮ ‬الموحدة،‮ ‬الغنية‮ ‬بتنوع‮
‬روافدها،‮ ‬وفي‮ ‬صلبها‮ ‬الأمازيغية،‮ ‬كرصيد‮ ‬لجميع‮ ‬المغاربة‮. ‬
وهذه‮ ‬رسالة‮ ‬واضحة‮ ‬إلى‮ ‬الذين‮ ‬يحاولون‮ ‬تحويل‮ ‬الأمازيغية‮ ‬من‮
‬إرث‮ ‬مشترك‮ ‬بين‮ ‬جميع‮ ‬المغاربة‮ ‬إلى‮ ‬أصل‮ ‬تجاري‮ ‬مسجل‮ ‬باسم‮
‬البعض‮ ‬منهم‮ ‬للمزايدة‮ ‬السياسية‮ ‬والحديث‮ ‬باسم‮ ‬ملايين‮ ‬الأمازيغ‮
‬دون‮ ‬أن‮ ‬يكون‮ ‬هؤلاء‮ ‬الأمازيغ‮ ‬قد‮ ‬فوضوا‮ ‬إليهم‮ ‬حق‮ ‬تمثيلهم‮
‬والحديث‮ ‬باسمهم‮ ‬واتخاذ‮ ‬مواقف‮ ‬إيديولوجية‮ ‬في‮ ‬المحافل‮ ‬الدولية‮
‬تسير‮ ‬أحيانا‮ ‬ضد‮ ‬وحدة‮ ‬الدين‮ ‬والوطن‮.‬
أما‮ ‬الرسالة‮ ‬الأقوى‮ ‬في‮ ‬الإصلاح‮ ‬الدستوري‮ ‬الذي‮ ‬يقترحه‮ ‬الملك‮
‬فهي‮ ‬نزعه،‮ ‬وبدون‮ ‬بنج،‮ ‬أنيابَ‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬عندما‮ ‬أعلن‮ ‬عن‮
‬نزع‮ ‬وصاية‮ ‬العمال‮ ‬والولاة‮ ‬على‮ ‬الشأن‮ ‬المحلي‮ ‬في‮ ‬المدن‮
‬والأقاليم‮ ‬ووضع‮ ‬سلطة‮ ‬التسيير‮ ‬والأمر‮ ‬بالصرف‮ ‬والقرار‮ ‬بين‮ ‬أيدي‮
‬رؤساء‮ ‬الجهات‮ ‬المنتخبين‮ ‬في‮ ‬إطار‮ ‬الجهوية‮.‬
هكذا،‮ ‬سينحصر‮ ‬دور‮ ‬العمال‮ ‬والولاة‮ ‬في‮ ‬التنسيق‮ ‬بين‮ ‬عمل‮
‬السلطات‮ ‬العمومية‮ ‬داخل‮ ‬المدينة‮ ‬والإقليم،‮ ‬تاركين‮ ‬التسيير‮
‬والتحكم‮ ‬في‮ ‬الصرف‮ ‬والميزانيات‮ ‬لرؤساء‮ ‬الجهات‮ ‬الذين‮ ‬سينتخبهم‮
‬الشعب‮.‬
هكذا‮ ‬يكون‮ ‬الملك‮ ‬قد‮ ‬أنجز‮ ‬نصيبه‮ ‬من‮ ‬الثورة‮ ‬التي‮ ‬كان‮
‬ينتظرها‮ ‬الشعب،‮ ‬وربما‮ ‬أنجز‮ ‬أكثر‮ ‬حتى‮ ‬مما‮ ‬كانت‮ ‬تتوقعه‮
‬الطبقة‮ ‬السياسية‮ ‬بجميع‮ ‬ألوان‮ ‬طيفها،‮ ‬فقد‮ ‬أعلن‮ ‬الثورة‮ ‬على‮
‬الطابع‮ ‬العتيق‮ ‬للملكية‮ ‬ومؤسسة‮ ‬الوزير‮ ‬الأول‮ ‬ومجلس‮ ‬الحكومة‮
‬والعدالة‮ ‬وفصل‮ ‬السلط‮ ‬ودور‮ ‬البرلمان‮ ‬والجهوية‮.‬
فهل‮ ‬ستكون‮ ‬الطبقة‮ ‬السياسية‮ ‬في‮ ‬مستوى‮ ‬إنجاز‮ ‬نصيبها‮ ‬من‮ ‬الثورة‮
‬التي‮ ‬يتزعمها‮ ‬الملك‮ ‬والشعب؟‮ ‬هل‮ ‬ستتبع‮ ‬الأحزاب‮ ‬السياسية‮
‬الإيقاع‮ ‬الثوري‮ ‬للملك‮ ‬وتجري‮ ‬إصلاحا‮ ‬شاملا‮ ‬وجذريا‮ ‬على‮ ‬هيئاتها‮
‬العتيقة‮ ‬وتنظف‮ ‬بيتها‮ ‬الداخلي‮ ‬من‮ ‬الأوساخ‮ ‬التي‮ ‬علقت‮ ‬بها،‮
‬وتتنفس‮ ‬أخيرا‮ ‬هواء‮ ‬الثورة‮ ‬الخلاقة؟
إن‮ ‬ما‮ ‬يخشاه‮ ‬المغاربة،‮ ‬اليوم،‮ ‬هو‮ ‬أن‮ ‬تتسبب‮ ‬هذه‮ ‬الأحزاب،‮
‬التي‮ ‬شاخت‮ ‬قياداتها،‮ ‬في‮ ‬إجهاض‮ ‬ثورة‮ ‬الملك‮ ‬والشعب‮. ‬
ولذلك،‮ ‬فاليوم‮ ‬وبعد‮ ‬هذا‮ ‬الخطاب‮ ‬الملكي،‮ ‬أصبح‮ ‬حتميا‮ ‬وضروريا‮
‬أن‮ ‬تتحرر‮ ‬الطاقات‮ ‬الشابة‮ ‬والثورية‮ ‬داخل‮ ‬هذه‮ ‬الأحزاب‮ ‬لكي‮
‬تطيح‮ ‬بجميع‮ ‬القيادات‮ ‬العتيقة‮ ‬والعاجزة‮ ‬عن‮ ‬مسايرة‮ ‬الروح‮
‬الثورية‮ ‬الملكية‮.‬
وعندما‮ ‬نتحدث‮ ‬عن‮ ‬الأحزاب‮ ‬السياسية،‮ ‬فإننا‮ ‬نقصد‮ ‬حزبا‮ ‬تاريخيا‮
‬عتيدا‮ ‬اسمه‮ ‬الاتحاد‮ ‬الاشتراكي،‮ ‬توجد‮ ‬بداخله‮ ‬قوى‮ ‬شبابية‮
‬مكتوفة‮ ‬الأيدي‮ ‬مكممة‮ ‬الأفواه‮ ‬مغيبة‮ ‬الصوت‮ ‬مستعدة‮ ‬لإنقاذ‮
‬سفينة‮ ‬الحزب‮ ‬من‮ ‬الغرق‮ ‬إذا‮ ‬ما‮ ‬توحدت‮ ‬وراء‮ ‬برنامج‮ ‬ومشروع‮
‬الاتحاد‮ ‬الاشتراكي‮ ‬كما‮ ‬سطره‮ ‬عبد‮ ‬الرحيم‮ ‬بوعبيد‮.‬
عندما‮ ‬يتحدث‮ ‬الملك‮ ‬في‮ ‬خطابه‮ ‬عن‮ ‬ضرورة‮ ‬تقوية‮ ‬دور‮ ‬الأحزاب‮
‬السياسية‮ ‬دستوريا‮ ‬وتكريس‮ ‬دور‮ ‬المعارضة‮ ‬البرلمانية،‮ ‬فإن‮ ‬ذلك‮
‬يعني‮ ‬أن‮ ‬الإصلاح‮ ‬الدستوري‮ ‬المنتظر‮ ‬لن‮ ‬ينجح‮ ‬بدون‮ ‬وجود‮ ‬أحزاب‮
‬سياسية‮ ‬قوية‮ ‬ومعارضة‮ ‬تقوم‮ ‬بدور‮ ‬السلطة‮ ‬المضادة‮. ‬
وللحصول‮ ‬على‮ ‬أحزاب‮ ‬سياسية‮ ‬قوية،‮ ‬ليست‮ ‬هناك‮ ‬وصفة‮ ‬سحرية‮.. ‬يجب‮
‬أن‮ ‬يقوم‮ ‬الشباب‮ ‬داخل‮ ‬هذه‮ ‬الأحزاب‮ ‬السياسية‮ ‬بثورتهم‮ ‬الخاصة‮
‬لكي‮ ‬تصبح‮ ‬الكفاءة‮ ‬الذهنية‮ ‬والنزاهة‮ ‬الفكرية‮ ‬هي‮ ‬مفتاح‮ ‬الترقي‮
‬السياسي،‮ ‬وليس‮ ‬القرابة‮ ‬العائلية‮ ‬والولاء‮ ‬الأعمى‮ ‬للقيادة‮ ‬كما‮
‬هو‮ ‬حاصل‮ ‬اليوم‮ ‬في‮ ‬جميع‮ ‬الأحزاب‮ ‬السياسية‮.‬
إذا‮ ‬كان‮ ‬الملك‮ ‬مستعدا‮ ‬لعرض‮ ‬إمكانية‮ ‬التخلي‮ ‬عن‮ ‬بعض‮ ‬صلاحياته‮
‬للاستفتاء‮ ‬الشعبي،‮ ‬فكيف‮ ‬يتشبث‮ ‬هؤلاء‮ ‬الزعماء‮ ‬الحزبيون‮
‬بصلاحياتهم‮ ‬الأبدية‮ ‬ويستمرون‮ ‬في‮ ‬التسلط‮ ‬على‮ ‬أحزابهم‮ ‬إلى‮
‬نهاية‮ ‬أعمارهم؟
إذا‮ ‬كان‮ ‬المصريون‮ ‬والتونسيون‮ ‬والليبيون‮ ‬يعتقدون‮ ‬أن‮ ‬زعماءهم‮
‬حطموا‮ ‬الأرقام‮ ‬القياسية‮ ‬في‮ ‬البقاء‮ ‬في‮ ‬السلطة،‮ ‬فهم‮ ‬واهمون‮.
‬فنحن،‮ ‬مثلا،‮ ‬لدينا‮ ‬زعيم‮ ‬حزب‮ ‬كالاتحاد‮ ‬الاشتراكي‮ ‬يسكن‮ ‬في‮
‬البرلمان‮ ‬منذ‮ ‬1963،‮ ‬أي‮ ‬أنه‮ ‬منذ‮ ‬خمسين‮ ‬سنة‮ ‬وهو‮ ‬في‮ ‬مكانه،‮
‬بحيث‮ ‬لم‮ ‬يبق‮ ‬لهم‮ ‬سوى‮ ‬أن‮ ‬يكتبوا‮ ‬له‮ ‬هذا‮ ‬البرلمان‮ ‬في‮
‬اسمه‮ ‬لكي‮ ‬يورثه‮ ‬لأبنائه‮ ‬مع‮ ‬كل‮ ‬الأراضي‮ ‬الشاسعة‮ ‬التي‮ ‬حصل‮
‬عليها‮ ‬في‮ ‬الغرب‮ ‬طيلة‮ ‬نصف‮ ‬قرن‮ ‬من‮ «‬النضال‮ ‬الاشتراكي‮».‬
وعندما‮ ‬حاول‮ ‬أحد‮ ‬أعضاء‮ ‬المكتب‮ ‬السياسي‮ ‬للاتحاد،‮ ‬محمد‮ ‬بوبكري،‮
‬أن‮ ‬يثور‮ ‬في‮ ‬وجه‮ ‬هؤلاء‮ ‬البورجوازيين‮ ‬الاشتراكيين‮ ‬الذين‮
‬استعملوا‮ ‬الحزب‮ ‬للاستفادة‮ ‬من‮ ‬اقتصاد‮ ‬الريع،‮ ‬تصدى‮ ‬له‮ ‬بعض‮
‬الوصوليين‮ ‬وهددوه‮ ‬بعرضه‮ ‬على‮ ‬اللجنة‮ ‬التأديبية‮ ‬بتهمة‮ ‬الإساءة‮
‬إلى‮ ‬صورة‮ ‬الحزب،‮ ‬مع‮ ‬أن‮ ‬من‮ ‬أساؤوا‮ ‬إلى‮ ‬صورة‮ ‬الحزب‮
‬معروفون،‮ ‬وأغلبهم‮ ‬حوّل‮ «‬الاتحاد‮ ‬الاشتراكي‮» ‬إلى‮ «‬اتحاد‮
‬الشركات‮» ‬وقايض‮ ‬مواقف‮ ‬الحزب‮ ‬التاريخية‮ ‬بحقائب‮ ‬وزارية‮ ‬أصبحت‮
‬الآن‮ ‬في‮ ‬مهب‮ ‬الريح‮. ‬
مثلما‮ ‬انحاز‮ ‬الملك‮ ‬إلى‮ ‬الشعب،‮ ‬على‮ ‬الأحزاب‮ ‬السياسية‮ ‬أن‮
‬تنحاز‮ ‬هي‮ ‬الأخرى‮ ‬إلى‮ ‬الشعب‮. ‬ومثلما‮ ‬أطلق‮ ‬الملك‮ ‬شرارة‮
‬الثورة‮ ‬على‮ ‬الأحزاب‮ ‬السياسية‮ ‬أن‮ ‬تلتقط‮ ‬الشرارة‮ ‬وأن‮ ‬تعيد‮
‬الحياة‮ ‬إلى‮ ‬شعلة‮ ‬الرفض‮ ‬والمقاومة‮ ‬والصراع‮ ‬الفكري‮ ‬والسياسي‮
‬التي‮ ‬أخمدها‮ ‬بداخلها‮ ‬الوصوليون‮ ‬والانتهازيون‮ ‬وتجار‮ ‬المواقف‮. ‬
وإن‮ ‬هذه‮ ‬ثورتكم‮ ‬ثورة‮ ‬واحدة،‮ ‬فشمروا‮ ‬الأكمام‮ ‬وتوكلوا‮ ‬على‮
‬الله،‮ ‬انصرفوا‮ ‬للعمل‮.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق