الاثنين، 14 مارس، 2011

بيت الداء

دخان‮ ‬الحرب‮ ‬الدائرة‮ ‬رحاها‮ ‬بين‮ ‬حزب‮ ‬الاستقلال،‮ ‬بزعامة‮ ‬شباط،‮ ‬وبين‮ ‬حزب‮ ‬الأصالة‮ ‬والمعاصرة،‮ ‬بزعامة‮ ‬الهمة،‮ ‬لا‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يحجب‮ ‬عنا‮ ‬العلاقة‮ «‬التاريخية‮» ‬والقديمة‮ ‬بين‮ «‬الزعيمين‮». ‬
فرغم‮ ‬ما‮ ‬يبدو‮ ‬من‮ ‬جفاء‮ ‬بين‮ ‬الهمة‮ ‬وشباط‮ ‬ورغم‮ ‬انحطاط‮ ‬الشتائم‮ ‬المتبادلة‮ ‬بين‮ ‬الحزبين‮ ‬على‮ ‬لسان‮ ‬ممثليهما،‮ ‬فالتاريخ‮ ‬يشهد‮ ‬بأن‮ ‬الهمة‮ ‬فعل‮ ‬كل‮ ‬ما‮ ‬بوسعه‮ ‬عندما‮ ‬كان‮ ‬وزيرا‮ ‬منتدبا‮ ‬في‮ ‬الداخلية،‮ ‬وحتى‮ ‬عندما‮ ‬غادرها،‮ ‬لكي‮ «‬يسهل‮» ‬مأمورية‮ ‬شباط‮ ‬ويمنحه‮ «‬الحماية‮» ‬التي‮ ‬يحتاج‮ ‬إليها‮ ‬لكي‮ ‬يستمر‮ ‬في‮ ‬موقعه‮ ‬بدون‮ ‬محاسبة‮.‬
ولذلك‮ ‬فعندما‮ ‬تم‮ ‬تعيين‮ ‬الوالي‮ «‬عرفة‮» ‬على‮ ‬فاس‮ ‬بعدما‮ ‬كان‮ ‬كاتبا‮ ‬عاما‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية،‮ ‬ورفض‮ ‬هذا‮ ‬الأخير‮ ‬التوقيع‮ ‬على‮ ‬مقررات‮ ‬شباط‮ ‬غير‮ ‬القانونية،‮ ‬بدأ‮ ‬الإعداد‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬للإطاحة‮ ‬به‮ ‬من‮ ‬الولاية‮ ‬وتعويضه‮ ‬بوال‮ ‬جديد‮ ‬مستعد‮ ‬للتوقيع،‮ ‬بعينين‮ ‬مغمضتين،‮ ‬حتى‮ ‬على‮ ‬قرار‮ ‬إعدامه‮.‬
وهكذا‮ ‬حط‮ ‬الوالي‮ ‬الغرابي‮ ‬بولاية‮ ‬فاس‮ ‬وآثار‮ ‬الطماطم‮ ‬التي‮ ‬قذفه‮ ‬بها‮ ‬المواطنون‮ ‬في‮ ‬العيون‮ ‬لازالت‮ ‬عالقة‮ ‬بجلبابه‮ ‬المخزني‮. ‬
ولأن‮ ‬الوزير‮ ‬المنتدب‮ ‬في‮ ‬الداخلية،‮ ‬فؤاد‮ ‬عالي‮ ‬الهمة،‮ ‬كان‮ ‬يخوض‮ ‬حرب‮ ‬تطهير‮ ‬شرسة‮ ‬في‮ ‬حق‮ ‬بقايا‮ ‬البصري،‮ ‬فقد‮ ‬وضع‮ ‬يده‮ ‬في‮ ‬يد‮ ‬شباط‮ ‬لكي‮ ‬يصفي‮ ‬لصالحه‮ ‬سياسيا،‮ ‬وبالوكالة،‮ ‬أحد‮ ‬أذناب‮ ‬البصري‮ ‬الأوفياء،‮ ‬والذي‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬شخصا‮ ‬آخر‮ ‬سوى‮ ‬رفيق‮ ‬شباط‮ ‬في‮ ‬النقابة‮ ‬والحزب،‮ ‬عبد‮ ‬الرزاق‮ ‬أفيلال‮.‬
وبما‮ ‬أن‮ ‬الوالي‮ ‬الغرابي‮ ‬جاء‮ ‬إلى‮ ‬فاس‮ ‬باقتراح‮ ‬من‮ ‬الهمة،‮ ‬فقد‮ ‬وقع،‮ ‬بوصفه‮ ‬ممثلا‮ ‬لسلطة‮ ‬الوصاية،‮ ‬جميع‮ ‬مقررات‮ ‬شباط‮ ‬غير‮ ‬القانونية‮ ‬التي‮ ‬عرقلها‮ ‬الوالي‮ ‬السابق،‮ ‬بما‮ ‬في‮ ‬ذلك‮ ‬رخص‮ ‬التعمير‮ ‬الاستثنائية‮ ‬التي‮ ‬استفادت‮ ‬منها‮ ‬شركات‮ ‬مقربين‮ ‬من‮ ‬الوالي‮ ‬والعمدة‮. ‬
وليس‮ ‬هذا‮ ‬فحسب،‮ ‬بل‮ ‬إن‮ ‬شباط‮ ‬وأفراد‮ ‬عائلته‮ ‬أصبحوا‮ ‬يتمتعون‮ ‬بالحماية‮ ‬القضائية،‮ ‬حيث‮ ‬إن‮ ‬ابنه‮ ‬نوفل،‮ ‬الذي‮ ‬ارتكب‮ ‬جريمة‮ ‬قتل‮ ‬بعد‮ ‬حادثة‮ ‬سير‮ ‬وتم‮ ‬الحكم‮ ‬عليه‮ ‬بسنتين‮ ‬حبسا‮ ‬نافذا،‮ ‬سيتم‮ ‬منحه‮ ‬البراءة‮ ‬في‮ ‬النقض‮ ‬والإبرام‮ ‬وسيتم‮ ‬تهجيره‮ ‬إلى‮ ‬هولندا‮ ‬بمساعدة‮ ‬الأجهزة‮ ‬الأمنية‮ ‬السرية،‮ ‬وهي‮ ‬نفسها‮ ‬الأجهزة‮ ‬التي‮ ‬أخفت‮ ‬شباط‮ ‬في‮ ‬بيت‮ ‬مدير‮ «‬الديستي‮» ‬بعدما‮ ‬أضرم‮ ‬النار‮ ‬في‮ ‬فاس‮ ‬خلال‮ ‬أحداث‮ ‬1990،‮ ‬إلى‮ ‬أن‮ ‬هدأت‮ ‬العاصفة‮ ‬ووضعت‮ ‬ملفه‮ ‬في‮ ‬الأرشيف‮ ‬بعد‮ ‬أن‮ ‬حكم‮ ‬له‮ ‬أحد‮ ‬القضاة‮ ‬بالبراءة‮.‬
والعامل‮ ‬الوحيد‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يرفض‮ ‬توقيع‮ ‬مقررات‮ ‬العمدة‮ ‬شباط‮ ‬هو‮ ‬عامل‮ ‬مولاي‮ ‬يعقوب،‮ ‬الذي‮ ‬رفض‮ ‬التوقيع‮ ‬على‮ ‬الاستثناءات‮ ‬المعمارية‮ ‬لشركة‮ «‬إيدياليستا‮ ‬إموبيليي‮»‬،‮ ‬خصوصا‮ ‬مشروعها‮ ‬بطريق‮ ‬عين‮ ‬الشقف‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬في‮ ‬دفتر‮ ‬التحملات‮ ‬مشروعا‮ ‬سياحيا،‮ ‬فتحول‮ ‬بقدرة‮ ‬قادر‮ ‬إلى‮ ‬مشروع‮ ‬سكني،‮ ‬وأيضا‮ ‬مشاريع‮ ‬شركة‮ «‬فتح‮ ‬الجديد‮» ‬التي‮ ‬يختفي‮ ‬وراءها‮ ‬شباط‮ ‬واحجيرة‮ ‬وكسوس‮.‬
ولهذا‮ ‬لم‮ ‬يعمر‮ ‬هذا‮ ‬العامل‮ ‬طويلا‮ ‬في‮ ‬منصبه‮. ‬فكانت‮ ‬حركة‮ ‬التغييرات‮ ‬التي‮ ‬شملت‮ ‬الولاة‮ ‬والعمال‮ ‬مؤخرا‮ ‬مناسبة‮ ‬لكي‮ «‬يضمص‮» ‬الهمة‮ «‬الكارطة‮» ‬من‮ ‬جديد‮ ‬للوالي‮ ‬الغرابي‮ ‬والعمدة‮ ‬شباط،‮ ‬حتى‮ ‬يستمرا‮ ‬في‮ ‬لعبهما‮ ‬المعهود‮.‬
وهكذا‮ «‬طار‮» ‬العامل‮ «‬أنيس‮» ‬بسبب‮ ‬صلابة‮ ‬رأسه‮ ‬وأحيل‮ ‬على‮ ‬التقاعد،‮ ‬وتم‮ ‬تعويضه‮ ‬بالعامل‮ «‬العلمي‮» ‬الذي‮ ‬اشتغل‮ ‬مديرا‮ ‬لديوان‮ ‬الغرابي‮ ‬عندما‮ ‬كان‮ ‬عاملا‮ ‬على‮ «‬اشتوكة‮ ‬آيت‮ ‬باها‮». ‬ولم‮ ‬يكتف‮ ‬الغرابي‮ ‬بجلب‮ ‬كاتبه‮ ‬العام‮ ‬السابق،‮ ‬بل‮ ‬جلب‮ ‬أيضا‮ «‬الزيتوني‮»‬،‮ ‬رئيس‮ ‬قسم‮ ‬الشؤون‮ ‬العامة،‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يشغل‮ ‬هذا‮ ‬المنصب‮ ‬عندما‮ ‬كان‮ ‬الغرابي‮ ‬عاملا‮ ‬على‮ ‬تطوان‮. ‬وبمجرد‮ ‬تنصيب‮ ‬العامل‮ ‬الجديد‮ ‬تم‮ ‬التوقيع‮ ‬على‮ ‬جميع‮ ‬المقررات‮ ‬العالقة‮. ‬
هكذا،‮ ‬وضع‮ «‬الغرابي‮» ‬رجاله‮ ‬في‮ ‬المناصب‮ ‬الحساسة‮ ‬في‮ ‬المدينة‮ ‬وأحكم‮ ‬قبضته‮ ‬عليها‮ ‬لكي‮ ‬يعبد‮ ‬الطريق‮ ‬لشباط‮ ‬الذي‮ ‬يسوقه‮ ‬الهمة‮ ‬لدى‮ ‬الدوائر‮ ‬العليا‮ ‬كصمام‮ ‬الأمان‮ ‬في‮ ‬فاس‮ ‬ضد‮ ‬صعود‮ ‬الإسلاميين‮.‬
ولذلك‮ ‬فعل‮ ‬الهمة‮ ‬كل‮ ‬ما‮ ‬بوسعه‮ ‬لكي‮ ‬يجند‮ ‬الداخلية‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬انتزاع‮ ‬المقعد‮ ‬البرلماني‮ ‬من‮ ‬أحد‮ ‬مرشحي‮ ‬العدالة‮ ‬والتنمية‮ ‬في‮ ‬دائرة‮ «‬دار‮ ‬دبيبيغ‮» ‬في‮ ‬فاس‮ ‬لصالح‮ ‬الاتحادي‮ ‬جوهر‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يسبق‮ ‬له‮ ‬أن‮ ‬طرح‮ ‬سؤالا‮ ‬واحدا‮ ‬حول‮ ‬فاس‮ ‬في‮ ‬البرلمان،‮ ‬والذي‮ ‬كان‮ ‬جزاؤه‮ ‬على‮ ‬هذا‮ «‬البريكول‮» ‬هو‮ ‬منح‮ ‬صفقات‮ ‬أسفار‮ ‬وحفلات‮ ‬المجلس‮ ‬لوكالة‮ ‬أسفاره‮ ‬التي‮ ‬يسيرها‮ ‬ابنه،‮ ‬وهي‮ ‬الوكالة‮ ‬نفسها‮ ‬التي‮ ‬ظلت‮ ‬تستفيد‮ ‬من‮ ‬صفقات‮ ‬أسفار‮ ‬وزارة‮ ‬الهجرة‮ ‬التي‮ ‬يسيرها‮ ‬محمد‮ ‬عامر،‮ ‬الذي‮ ‬ليس‮ ‬شخصا‮ ‬آخر‮ ‬غير‮ ‬زوج‮ ‬أخت‮ ‬صاحب‮ ‬الوكالة‮.‬
عندما‮ ‬كان‮ ‬الهمة‮ ‬وزيرا‮ ‬منتدبا‮ ‬في‮ ‬الداخلية،‮ ‬على‮ ‬عهد‮ ‬الوزير‮ ‬الميداوي،‮ ‬كان‮ ‬هذا‮ ‬الأخير‮ ‬الوحيد‮ ‬القادر‮ ‬على‮ ‬إعادة‮ ‬الهمة‮ ‬إلى‮ ‬حجمه‮ ‬الحقيقي‮ ‬كوزير‮ ‬منتدب‮ ‬تخضع‮ ‬اختصاصاته‮ ‬لمراسيم‮ ‬يحددها‮ ‬وزيره‮. ‬
وهذا‮ ‬الوضع‮ ‬كان‮ ‬يزعج‮ ‬الهمة‮ ‬كثيرا،‮ ‬خصوصا‮ ‬أن‮ ‬الميداوي‮ ‬كان‮ ‬يمارس‮ ‬صلاحياته‮ ‬كاملة‮ ‬كوزير‮ ‬للداخلية‮.‬
فكان‮ ‬أهم‮ ‬ما‮ ‬قام‮ ‬به‮ ‬هو‮ ‬رفضه‮ ‬لجميع‮ ‬الاستثناءات‮ ‬المعمارية‮ ‬التي‮ ‬راسل‮ ‬بشأنها‮ ‬اليازغي،‮ ‬وزير‮ ‬التعمير‮ ‬آنذاك،‮ ‬عبر‮ ‬دورية‮ ‬رقمها‮ ‬254،‮ ‬عممها‮ ‬كاتبه‮ ‬العام‮ ‬محمد‮ ‬عامر‮ ‬على‮ ‬العمال‮ ‬والولاة‮. ‬
فما‮ ‬كان‮ ‬من‮ ‬الميداوي‮ ‬سوى‮ ‬أن‮ ‬راسل‮ ‬هؤلاء‮ ‬العمال‮ ‬والولاة‮ ‬يأمرهم‮ ‬بعدم‮ ‬الخضوع‮ ‬لمذكرة‮ ‬وزير‮ ‬التعمير،‮ ‬لأن‮ ‬الاستثناءات‮ ‬المعمارية‮ ‬غير‮ ‬قانونية‮. ‬
ولكي‮ ‬يجلب‮ ‬الميداوي‮ ‬عليه‮ ‬المزيد‮ ‬من‮ «‬النحل‮»‬،‮ ‬أعطى‮ ‬تعليماته‮ ‬لمديرية‮ ‬الشؤون‮ ‬القانونية‮ ‬والمفتشية‮ ‬العامة‮ ‬لوزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬إحصاء‮ ‬جميع‮ ‬ملفات‮ ‬رؤساء‮ ‬المجالس‮ ‬الفاسدين‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬تقديمهم‮ ‬إلى‮ ‬المحاكمة‮.‬
أما‮ ‬الخطوة‮ ‬التي‮ ‬دقت‮ ‬آخر‮ ‬مسمار‮ ‬في‮ ‬نعشه‮ ‬وأخرجته‮ ‬من‮ ‬الداخلية‮ ‬فكانت‮ ‬مراسلته‮ ‬للمديوري،‮ ‬الحارس‮ ‬القوي‮ ‬للحسن‮ ‬الثاني،‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬إخباره‮ ‬بوصوله‮ ‬إلى‮ ‬سن‮ ‬التقاعد،‮ ‬فتم‮ ‬التخلي‮ ‬عن‮ ‬خدماته‮ ‬تماما‮ ‬مثلما‮ ‬تم‮ ‬التخلي‮ ‬عن‮ ‬خدماته‮ ‬في‮ ‬وقت‮ ‬سابق‮ ‬عندما‮ ‬كان‮ ‬مديرا‮ ‬عاما‮ ‬للأمن‮ ‬الوطني‮ ‬واتهمه‮ ‬البصري‮ ‬برفع‮ ‬التقارير‮ ‬السرية‮ ‬مباشرة‮ ‬إلى‮ ‬الحسن‮ ‬الثاني،‮ ‬فلفقوا‮ ‬إليه‮ ‬تهمة‮ ‬سرقة‮ ‬صفقة‮ ‬بذلات‮ ‬رجال‮ ‬الأمن‮. ‬
جميع‮ ‬الولاة‮ ‬والعمال‮ ‬يعرفون‮ ‬أن‮ ‬الاستثناءات‮ ‬المعمارية‮ ‬هي‮ ‬بمثابة‮ ‬الكنز‮ ‬الذي‮ ‬يستطيعون‮ ‬بفضله‮ ‬أن‮ ‬يتحولوا‮ ‬إلى‮ ‬أثرياء‮ ‬في‮ ‬ظرف‮ ‬وجيز،‮ ‬فالأمر‮ ‬لا‮ ‬يتطلب‮ ‬سوى‮ ‬توقيع‮ ‬بسيط،‮ ‬وبهذه‮ ‬الطريقة‮ ‬دخل‮ ‬الوالي‮ ‬السابق‮ ‬على‮ ‬مكناس‮ ‬تافيلالت،‮ ‬حسن‮ ‬أوريد،‮ ‬فقيرا‮ ‬وغادرها‮ ‬مليارديرا‮ ‬هو‮ ‬وأفراد‮ ‬عائلته‮. ‬
ولذلك،‮ ‬فمن‮ ‬يعرقل‮ ‬مرور‮ ‬هذا‮ ‬القطار‮ ‬المحمل‮ ‬بالذهب‮ ‬يكون‮ ‬مصيره‮ ‬الإبعاد‮ ‬أو‮ ‬الإقالة‮. ‬
وكل‮ ‬الولاة‮ ‬الذين‮ ‬أظهروا‮ ‬صلابة‮ ‬في‮ ‬الموقف‮ ‬أمام‮ ‬الهمة‮ ‬دفعوا‮ ‬ثمن‮ ‬تصلبهم‮. ‬ولذلك‮ ‬أصبح‮ ‬أغلب‮ ‬الولاة‮ ‬يفهمون‮ ‬أن‮ ‬وزير‮ ‬الداخلية‮ ‬الحقيقي‮ ‬هو‮ ‬الهمة‮ ‬وليس‮ ‬مولاي‮ ‬الطيب‮ ‬الشرقاوي‮ ‬المنشغل‮ ‬أكثر‮ ‬باقتناء‮ ‬الأراضي‮ ‬والعقارات‮ ‬والضيعات‮ ‬الفلاحية‮.‬
جهاز‮ ‬واحد‮ ‬ظل،‮ ‬لحسن‮ ‬الحظ،‮ ‬بعيد‮ ‬المنال‮ ‬بالنسبة‮ ‬إلى‮ ‬الهمة،‮ ‬وهو‮ ‬الدرك‮ ‬والجيش‮. ‬وربما‮ ‬استوعب‮ ‬تابع‮ ‬الهمة،‮ ‬إلياس‮ ‬العماري،‮ ‬الدرس‮ ‬جيدا‮ ‬عندما‮ ‬ذهب‮ ‬إلى‮ ‬العيون‮ ‬في‮ ‬عز‮ ‬أزمة‮ ‬مخيم‮ «‬أكديم‮ ‬إيزيك‮»‬،‮ ‬فاعتقله‮ ‬رجال‮ ‬الدرك‮ ‬واستنطقوه‮ ‬لساعات‮ ‬قبل‮ ‬أن‮ ‬يطلقوا‮ ‬سراحه،‮ ‬مثلما‮ ‬استوعب‮ ‬الهمة‮ ‬الدرس‮ ‬جيدا‮ ‬عندما‮ ‬أعطى‮ ‬تعليماته‮ ‬للطيب‮ ‬الشرقاوي‮ ‬بالتدخل‮ ‬لفض‮ ‬المخيم،‮ ‬فرفض‮ ‬الدرك‮ ‬الامتثال‮ ‬إلى‮ ‬أن‮ ‬تطورت‮ ‬الأمور‮ ‬وحلت‮ ‬الكارثة‮.‬
هنا‮ ‬ظهر‮ ‬جليا‮ ‬أن‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية،‮ ‬التي‮ ‬كانت‮ ‬دائما‮ ‬كتلة‮ ‬واحدة،‮ ‬أصبحت‮ ‬مقسمة‮ ‬ما‮ ‬بين‮ ‬رجال‮ ‬الهمة‮ ‬من‮ ‬جهة‮ ‬ورجال‮ ‬حسني‮ ‬بنسليمان‮ ‬وابن‮ ‬أخته‮ ‬سعد‮ ‬حصار،‮ ‬كاتب‮ ‬الدولة‮ ‬في‮ ‬الداخلية،‮ ‬من‮ ‬جهة‮ ‬أخرى‮. ‬
ورغم‮ ‬أن‮ ‬أخ‮ ‬الهمة،‮ ‬خريج‮ ‬الأكاديمية‮ ‬العسكرية‮ ‬في‮ ‬مكناس،‮ ‬استطاع‮ ‬أن‮ ‬يترقى‮ ‬في‮ ‬جهاز‮ ‬الدرك‮ ‬بسرعة‮ ‬قياسية‮ ‬مقارنة‮ ‬بالآخرين،‮ ‬بحيث‮ ‬أصبح‮ ‬قائدا‮ ‬لسرية‮ ‬الدرك‮ ‬بأكادير‮ ‬في‮ ‬الوقت‮ ‬الذي‮ ‬لازال‮ ‬فيه‮ ‬ضباط‮ ‬قضوا‮ ‬عشرين‮ ‬سنة‮ ‬في‮ ‬الخدمة‮ ‬غير‮ ‬قادرين‮ ‬على‮ ‬بلوغ‮ ‬هذا‮ ‬المنصب،‮ ‬ورغم‮ ‬مصاهرة‮ ‬الهمة‮ ‬للجنرال‮ ‬بلمقدم،‮ ‬فإن‮ ‬قيادات‮ ‬الجيش‮ ‬والدرك‮ ‬ظلت‮ ‬دائما‮ ‬ترى‮ ‬فيه‮ ‬عنصرا‮ ‬خطيرا‮ ‬يجب‮ ‬الإبقاء‮ ‬عليه‮ ‬بعيدا‮ ‬عن‮ ‬ثكنات‮ ‬الجيش‮. ‬
وحتى‮ ‬عندما‮ ‬تناقلت‮ ‬الجرائد‮ ‬الناطقة‮ ‬بلسان‮ ‬تابعه‮ ‬إلياس‮ ‬العماري‮ ‬أخبارا‮ ‬عن‮ ‬تعرض‮ ‬طائرة‮ ‬الهمة‮ ‬العسكرية‮ ‬التي‮ ‬نقلته‮ ‬إلى‮ ‬أكادير‮ ‬لعطب‮ ‬جعل‮ ‬عجلاتها‮ ‬ترفض‮ ‬الخروج،‮ ‬مما‮ ‬اضطر‮ ‬ربانها‮ ‬إلى‮ ‬البقاء‮ ‬معلقا‮ ‬في‮ ‬الجو‮ ‬لساعتين‮ ‬إلى‮ ‬أن‮ ‬نفد‮ ‬مخزون‮ ‬الكيروزين‮ ‬قبل‮ ‬أن‮ ‬تهبط‮ ‬الطائرة‮ ‬فوق‮ ‬الرغوة‮ ‬التي‮ ‬اكتشفوا‮ ‬أنها‮ ‬غير‮ ‬موجودة‮ ‬في‮ ‬المطار،‮ ‬فإن‮ ‬الهمة‮ ‬لم‮ ‬يصدر‮ ‬عنه‮ ‬ما‮ ‬يكذب‮ ‬هذا‮ ‬الخبر،‮ ‬قبل‮ ‬أن‮ ‬يتضح‮ ‬أن‮ ‬إلياس‮ ‬هو‮ ‬من‮ ‬سربه‮ ‬إلى‮ ‬أصدقائه‮ ‬الصحافيين‮ ‬لكي‮ ‬يرد‮ ‬الصرف‮ ‬للجنرال‮ ‬حسني‮ ‬بنسليمان‮.‬
واضح‮ ‬أن‮ ‬هناك‮ ‬اليوم‮ ‬انزعاجا‮ ‬كبيرا‮ ‬من‮ ‬النفوذ‮ ‬المتزايد‮ ‬للهمة‮ ‬داخل‮ ‬الأوساط‮ ‬السياسية‮ ‬والمالية‮ ‬والعسكرية،‮ ‬والهمة‮ ‬نفسه‮ ‬شعر‮ ‬بخطورة‮ ‬هذا‮ ‬الانزعاج‮ ‬على‮ ‬مستقبله،‮ ‬ولذلك‮ ‬سارع‮ ‬تابعه‮ ‬إلياس‮ ‬العماري‮ ‬قبل‮ ‬يومين‮ ‬إلى‮ ‬مجالسة‮ ‬عباس‮ ‬الفاسي‮ ‬لتوقيع‮ ‬الهدنة،‮ ‬واتصل‮ ‬بالداودي‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬عقد‮ ‬لقاء‮ ‬مع‮ ‬بنكيران‮ ‬لتصفية‮ ‬الأجواء،‮ ‬فقد‮ ‬انقلبت‮ ‬الآية‮ ‬وأصبح‮ ‬الهمة‮ ‬يطلب‮ «‬العفو‮» ‬بعد‮ ‬أن‮ ‬كان‮ ‬يوزعه‮ ‬على‮ ‬كل‮ ‬من‮ ‬يبحث‮ ‬عن‮ ‬صكوك‮ ‬الغفران‮.‬
ومن‮ ‬يتحدثون‮ ‬عن‮ ‬العطب‮ ‬الغامض‮ ‬الذي‮ ‬أصاب‮ ‬الطائرة‮ ‬التي‮ ‬أقلته‮ ‬إلى‮ ‬أكادير،‮ ‬ينسون‮ ‬أن‮ ‬هذا‮ ‬العطب‮ ‬هو‮ ‬الثالث‮ ‬من‮ ‬نوعه‮. ‬فقبل‮ ‬ذلك،‮ ‬انقطع‮ ‬الأوكسجين‮ ‬فجأة‮ ‬في‮ ‬الطائرة‮ ‬التي‮ ‬كانت‮ ‬تقله،‮ ‬فيما‮ ‬توقف‮ ‬أحد‮ ‬محركات‮ ‬طائرة‮ ‬أخرى‮ ‬واستكملت‮ ‬الرحلة‮ ‬بمحرك‮ ‬واحد‮.‬
خبير‮ ‬حربي‮ ‬كبير‮ ‬اسمه‮ «‬وينستون‮ ‬تشرشل‮» ‬قال‮ ‬ذات‮ ‬يوم‮ ‬حكمة‮ ‬عميقة‮ «‬لا‮ ‬يجب‮ ‬أبدا‮ ‬أن‮ ‬ندير‮ ‬ظهورنا‮ ‬أمام‮ ‬خطر‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬الهروب‮ ‬منه‮. ‬عندما‮ ‬نصنع‮ ‬ذلك‮ ‬نضاعف‮ ‬من‮ ‬حجم‮ ‬الخطر‮ ‬مرتين‮. ‬أما‮ ‬عندما‮ ‬نواجهه‮ ‬بسرعة‮ ‬وفعالية،‮ ‬فإننا‮ ‬نقلصه‮ ‬إلى‮ ‬النصف‮».‬
لعل‮ ‬أول‮ ‬مواجهة‮ ‬لخطر‮ ‬ونفوذ‮ ‬رجال‮ ‬الخفاء‮ ‬الأقوياء‮ ‬المحيطين‮ ‬بالمربع‮ ‬الملكي‮ ‬هي‮ ‬تقليم‮ ‬أظافر‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬في‮ ‬الدستور‮ ‬الجديد‮ ‬المقترح،‮ ‬وذلك‮ ‬بانتزاع‮ ‬سلطة‮ ‬الوصاية‮ ‬من‮ ‬الولاة‮ ‬والعمال‮ ‬لصالح‮ ‬رؤساء‮ ‬الجهات،‮ ‬أي‮ ‬أنه‮ -‬بعبارة‮ ‬أخرى‮- ‬سيتم‮ ‬توقيف‮ ‬قطار‮ ‬الذهب‮ ‬الذي‮ ‬يمر‮ ‬نحو‮ ‬جهات‮ ‬في‮ ‬وزارة‮ ‬الداخلية‮ ‬على‮ ‬شكل‮ ‬استثناءات‮ ‬معمارية‮. ‬فالعمدة‮ ‬لا‮ ‬يحصل‮ ‬على‮ ‬الاستثناء‮ ‬المعماري‮ ‬إذا‮ ‬لم‮ ‬يوقع‮ ‬له‮ ‬الوالي،‮ ‬والوالي‮ ‬لا‮ ‬يوقع‮ ‬إلا‮ ‬إذا‮ ‬كان‮ ‬لديه‮ ‬ضوء‮ ‬أخضر‮ ‬من‮ ‬الداخلية‮. ‬
إنها،‮ ‬ببساطة،‮ ‬بيت‮ ‬الداء،‮ ‬إذا‮ ‬صلحت‮ ‬صلح‮ ‬أمر‮ ‬البلد‮ ‬كله،‮ ‬وإذا‮ ‬فسدت‮ ‬فسد‮ ‬أمر‮ ‬البلد‮ ‬كله‮.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق